أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على ضرورة اعتماد استراتيجية وطنية لاقتصاد الرعاية، قمينة بتحويل الرعاية إلى رافعة حقيقية للتنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية. واعتبر رئيس المجلس، عبد القادر اعمارة أن الغاية من هذه الاستراتيجية لا تتجلى في التخلي عن التضامن الأسري، الذي يظل ركيزة أساسية من ركائز التماسك الاجتماعي، وإنما تسعى إلى دعم هذا التضامن وتعزيزه، عبر تخفيف الأعباء عن الأسر، وخصوصاً النساء، وتقاسم المسؤوليات بين الأسرة والدولة والجماعات الترابية والمهنيين والمجتمع المدني بشكل أكثر إنصافاً.
واقترح المجلس جعل أعمال الرعاية رهاناً وطنياً، مع ضمان حكامة مندمجة وفعالة لاقتصاد الرعاية، لا سيما من خلال إحداث آلية وطنية للحكامة مخصّصة للرعاية، وتتولى قيادة وتنسيق وتتبع وتقييم الاستراتيجية الوطنية لاقتصاد الرعاية، وإرساء إطار قانوني موحّد خاص باقتصاد الرعاية، يؤطّر مختلف المقتضيات القانونية القائمة المرتبطة بأعمال الرعاية بالمغرب.
كما دعا إلى تثمين مهن الرعاية والاعتراف بالمهنيين باعتبارهم القائمين على استدامة هذا القطاع الحيوي.وأوصى بالاعتراف بمجموع أعمال الرعاية وتنظيمها وإضفاء الطابع المهني عليها، من خلال إعداد مصنف وطني موحد، معزَّز بخريطة ترابية للمهن، وإرساء إطار وطني للتكوين والتأهيل والتصديق على الخبرات المكتسبة، وضمان شروط العمل اللائق والحماية الاجتماعية الشاملة لكافة مهنيي الرعاية، والاعتراف بمهن المساعدين العائليين وتقديم الدعم لهم عن طريق منحهم إجازات خاصة وتمكينهم من الاستفادة من برامج التكوين، ومنحهم تعويضات مادية ملائمة، وإدماجهم ضمن منظومة الحماية الاجتماعية.
وقال اعمارة، في في اللقاء التواصلي لتقديم مخرجات رأي المجلس حول موضوع: ” اقتصاد الرعاية في المغرب: رهانات الاعتراف القطاعي والتنظيم المؤسساتي “، اليوم الأربعاء 28 يناير 2026، إن المغرب يواجه اليوم تحولات ديموغرافية واجتماعية عميقة، ومنها ارتفاع أمد الحياة عند الولادة ، وتسارع وتيرة شيخوخة الساكنة، وتزايد انتشار الأمراض المزمنة، والمنحى التصاعدي نحو نمط بنية الأسر النووية والأسر المكونة من شخص واحد. وتضع هذه التحولات ضغوطاً متزايدة على آليات التضامن والرعاية الاجتماعية، ويستدعي إرساء منظومة قادرة على مواكبة هذه التحولات.
وأشار رئيس المجلس إلى إن البنيات والخدمات المتوفرة، سواء في القطاع العام أو الخاص، لا تزال غير كافية للاستجابة لهذه الحاجيات المتنامية، حيث إن عروض الرعاية تظل محدودة، وتعرف تفاوتاً مجالياً كبيراً، كما أن البرامج الموجهة للأطفال، وللأشخاص المسنين، وللنساء، وللأشخاص في وضعية إعاقة، ما تزال في الغالب مجزأة، تحتكم إلى مقاربات قطاعية أو فئوية، لكنها تبقى في حاجة إلى رؤية منسقة ومتكاملة لمنظومة التكفل والرعاية.
وأمام محدودية العرض المؤسساتي والمهني، يستمر الاعتماد بشكل كبير على التضامن الأسري لتحمل أعباء الرعاية، رغم ما يعرفه هذا التضامن نفسه من هشاشة متزايدة. وغالباً ما تتحمل النساء الجزء الأكبر من هذا العمل، في شكل رعاية غير مأجورة، تظل لامرئية وغير معترف بها، وهو ما يترتب عنه كلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة: تعميق الفوارق بين الجنسين، هشاشة المسارات المهنية، وتراجع مشاركة النساء في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وتفيد المندوبية السامية للتخطيط بأن إدماج العمل غير المأجور في الحسابات الاقتصادية من شأنه أن يساهم في رفع الناتج الداخلي الإجمالي بحوالي 19 في المائة، منها 16 في المائة تعود إلى أعمال الرعاية التي تقوم بها النساء.
وأكد اعمارة، في هذا الصدد، أن تطوير اقتصاد الرعاية ليس مجرد التزام للدولة الاجتماعية التي تسير على نهجها بلادنا، وإنما يمكنه أن يشكل كذلك ركيزة للتنمية الاقتصادية الدامجة، وتعزيز قدرة الأسر على الصمود، وخصوصاً الأسر التي تقودها نساء، ولتحرير الطاقات والمبادرات في مختلف مناطق المملكة.