قد يتفاجأ البعض حين يعلم أن الناخبين البريطانيين يدلون بأصواتهم في صناديق الاقتراع باستخدام قلم الرصاص. نعم، قلم رصاص بسيط، يمكن لأي ممحاة أن تمحوه. ومع ذلك، أحدث هذا القلم، يوم الخميس الماضي، زلزالا سياسيا هز أعرق ديمقراطية في العالم.
والمفارقة التي يجب أن تستوقفنا ليست الأداة، بل ما تمثله هذه الأداة في بناء الثقة.
ماذا حدث في بريطانيا؟
في انتخابات 7 ماي المحلية، والتي شملت المجالس البلدية بإنجلترا والبرلمان المحلي في ويلز وإسكتلندا، حقق حزب الإصلاح (Reform UK) بقيادة نايجل فاراج صعودا غير مسبوق في التاريخ السياسي البريطاني الحديث، بحصده 1453 مقعدا، وسيطرته الكاملة على 14 مجلسا محليا، من بينها مجالس مقاطعات تاريخية كـ”إيسكس” و”نورفولك” و”سوفولك”.
في المقابل، تلقى حزب العمال الحاكم صفعة موجعة بخسارته 1496 مقعدا، وفقدانه السيطرة على 38 مجلسا. أما المحافظون، فخسروا 563 مقعدا وستة مجالس.
فكيف لحزب لم يكن يملك سوى مقعدين منذ أربع سنوات أن يصبح اليوم القوة المحلية الأولى في إنجلترا، بنسبة 29% من الأصوات وطنيا، متقدما على الحزبين اللذين تناوبا على حكم بريطانيا منذ قرن؟ ناهيك عن أنه ظفر بالمرتبة الثانية في كل من إسكتلندا وويلز.
لماذا صعد حزب الإصلاح؟
إن صعود “الإصلاح” ليس مفاجأة لمن قرأ المزاج البريطاني بهدوء؛ لأن ثلاثة محركات أساسية مهدت لهذا الاكتساح.
بداية بملف الهجرة، حيث استقبلت بريطانيا نحو 3.8 ملايين مهاجر بتأشيرات طويلة بين عامي 2021 و2024، وفق الإحصائيات الرسمية، وهو رقم أشعل شعورا بأن الدولة فقدت السيطرة على حدودها.
ثانيا، اقتصاد متعب ومتوسط نمو لا يتجاوز 0.5% للفرد منذ عام 2007، أي عقدان ضائعان من الازدهار.
ثالثا، خدمات عامة منهكة، وعلى رأسها نظام الصحة الوطني (NHS)، الذي أصبح رمزا لانهيار الوعد الاجتماعي البريطاني.
لكن ما وراء هذه الأرقام أعمق بكثير، حيث يتصاعد شعور جارف بأن النخبة السياسية، يمينا ويسارا، تتبادل الكراسي وتتجاهل الناس. فاراج لم يخترع هذا الغضب، بل ركبه. خطابه الشعبوي البسيط، المبني على حماية الحدود وخفض الضرائب واستعادة بريطانيا، وجد أذنا صاغية لدى ناخب مل من وعود لا تتحقق. والدليل على ذلك أن الموجة لم تذهب فقط نحو اليمين الشعبوي، بل كان لحزب الخضر أيضا نصيب منها، حيث حصد 587 مقعدا وفاز بخمسة مجالس. فالرسالة كانت واضحة: عقاب جماعي للحزبين الكبيرين.
ما أنتجه قلم الرصاص البريطاني الأسبوع الماضي ليس مجرد فوز لحزب يميني شعبوي قد نتفق معه أو نختلف معه، بل هو تذكير بأن الديمقراطية الحية هي تلك التي تسمح للغضب الشعبي بأن يجد طريقه إلى المؤسسات، لا إلى الشوارع
عبرة تتجاوز بريطانيا
ما يجري في إنجلترا ليس استثناء بريطانيا، بل هو جزء من موجة عاصفة تجتاح الديمقراطيات الغربية. فجورجا ميلوني في إيطاليا، وحزب التجمع الوطني في فرنسا، وحزب البديل من أجل ألمانيا، وعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، كلها مؤشرات على صعود القوى التي تعد بكسر القواعد التقليدية. والقاسم المشترك هو انهيار الثقة في النظام الحاكم التقليدي.
هنا تكمن العبرة الكبرى، حين يشعر الناخب بأن صوته يحدث فرقا حقيقيا، فهو يستخدمه حتى لو كان في يده قلم رصاص يمحى. وحين لا تلتزم النخب الحاكمة بوعودها، تدفع الثمن غاليا في صناديق الاقتراع. فالنظام البريطاني لا يحمي نفسه بالأدوات الإلكترونية المعقدة أو بالقواعد الانتخابية الصارمة، بل بشيء أعمق، وهو الإيمان العميق بأن نتيجة الصندوق ملزمة، وأن الخاسر يقر بخسارته، وأن الفائز، مهما كان مزعجا، يحكم.
ماذا عن المغرب؟
في 23 شتنبر المقبل، سيتوجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع لانتخاب مجلس النواب. السياق مختلف بالطبع: نظام ملكي دستوري، وخريطة حزبية متعددة، وتقاليد سياسية لها خصوصياتها. لكن السؤال المركزي واحد في كل ديمقراطية، ناشئة كانت أم راسخة: هل يثق الناخب بأن صوته يصنع تغييرا حقيقيا؟
التحدي المغربي ليس في الأدوات. فصناديقنا ورقية منظمة، ولوائحنا الانتخابية محدثة، والقوانين التنظيمية الجديدة المصادق عليها مؤخرا تسعى لتعزيز النزاهة. لكن التحدي أعمق من ذلك، ويمتد ليسائل معنى الفعل الانتخابي ذاته. حين تتدنى نسب المشاركة، وحين يقول الشاب: “كلهم سواء”، وحين تختزل الانتخابات إلى لعبة توازنات بين أعيان وعائلات وأموال، يفقد قلم الناخب، أيا كان نوعه، معناه.
في بريطانيا، أعطى الناخبون الإجابة بقلم رصاص. والمغاربة، حين يحين موعدهم، سيجيبون أيضا. لكن السؤال: هل هناك من سيصغي لهم؟
الدرس البريطاني
ما أنتجه قلم الرصاص البريطاني الأسبوع الماضي ليس مجرد فوز لحزب يميني شعبوي قد نتفق معه أو نختلف معه، بل هو تذكير بأن الديمقراطية الحية هي تلك التي تسمح للغضب الشعبي بأن يجد طريقه إلى المؤسسات، لا إلى الشوارع. وأن النخب التي تظن أن “اللعبة محسومة” مسبقا، تستيقظ يوما على ناخب قرر أن يلعب بقواعده هو.
السؤال الذي تطرحه انتخابات شتنبر القادم على المغرب ليس تقنيا فقط، وليس عن البطاقة أو الصندوق أو القلم. بل السؤال الحقيقي هو: هل ستكون انتخابات 2026 لحظة تجديد حقيقي للثقة بين المواطن ومؤسساته، أم مجرد إعادة ترتيب لنفس الوجوه على كراس مختلفة؟
المصدر: الجزيرة نت