مع دخول الحرب في إيران شهرها الثاني واستمرار التوتر بين طهران وواشنطن، بدأت تداعياتها تنعكس بشكل متزايد على الاقتصاد المغربي، خصوصاً من خلال ارتفاع أسعار الوقود، ما يضع ضغوطاً مباشرة على معدلات التضخم والقدرة الشرائية، ويفتح المجال أمام تحديات أوسع تمس النمو والتوازنات المالية.
وقد بُنيت ميزانية 2026 على أساس متوسط سعر للنفط في حدود 65 دولاراً للبرميل، بينما تقترب الأسعار حالياً من 100 دولار، وهو ما يوسع الفجوة بين التوقعات والواقع. ويزيد اعتماد المغرب الكامل على استيراد المواد البترولية من هشاشته أمام الصدمات الخارجية.
وانعكست هذه الزيادات بسرعة على المستهلكين، من خلال ارتفاع أسعار الوقود، ثم امتدت إلى الخضر والفواكه، رغم تحسن الموسم الفلاحي بعد سنوات من الجفاف كان يُفترض أن يساهم في تخفيف الضغوط على الأسعار.
وتجمع تقديرات خبراء ومؤسسات مالية دولية على أن تأثير الأزمة مستمر على الاقتصاد المغربي، رغم ابتعاده الجغرافي عن بؤرة الصراع، وذلك عبر قنوات متعددة أبرزها الأسعار والطلب الداخلي والمالية العمومية.
التضخم في قلب الصدمة الاقتصادية
يرى فرانسوا كونرادي، كبير الاقتصاديين السياسيين في “أكسفورد إيكونوميكس أفريقيا”، أن التضخم يمثل القناة الرئيسية لانتقال أثر الحرب إلى الاقتصاد المغربي، في ظل الارتفاع المسجل في أسعار الوقود. فقد ارتفع سعر الديزل بنحو 18% والبنزين 12% إلى حدود منتصف مارس، مع توقعات بمزيد من الزيادات إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع.
وبما أن أسعار الوقود في المغرب محررة منذ 2015، فإن شركات التوزيع تعتمد التسعير وفق السوق الدولية كل 15 يوماً، ما جعل متوسط الزيادة في أسعار المحروقات يبلغ نحو 30% منذ بداية الأزمة.
ويؤكد كونرادي أن ارتفاع تكاليف النقل سينعكس تدريجياً على أسعار السلع والخدمات، ما سيؤدي إلى تقليص إنفاق الأسر، وبالتالي الضغط على النمو الاقتصادي، مع توقع استمرار تسارع التضخم بوتيرة أعلى في مارس مقارنة بفبراير.
نمو اقتصادي قوي لكن محفوف بالمخاطر
في المقابل، رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المغربي إلى 4.9%، بزيادة 0.7 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات يناير، ليصبح المغرب من بين أسرع الاقتصادات نمواً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، رغم المراجعات السلبية التي طالت عدداً من الدول بسبب تداعيات الحرب.
وتستهدف الحكومة تحقيق نمو في حدود 5.2% خلال السنة الجارية، مدعوماً بانتعاش القطاع الفلاحي، مقارنة بتقدير أولي عند 4.6%.
لكن هذا المسار يظل عرضة للتقلبات، إذ يشير الخبير يوسف كراوي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، إلى أن الارتفاع السريع في أسعار الوقود سينعكس مباشرة على التضخم وكلفة الإنتاج والنقل، ما يضغط على مختلف القطاعات الاقتصادية.
وكانت الأسعار قد سجلت قبل اندلاع الأزمة تراجعاً بنحو 0.6% لعدة أشهر متتالية، قبل أن يُتوقع أن تكشف بيانات مارس عن بداية تأثيرات الصدمة الخارجية.
اتساع عجز الميزان التجاري
ومن المنتظر أن تمتد تداعيات الأزمة إلى التوازنات الخارجية، مع ارتفاع كلفة واردات الطاقة، ما سيؤدي إلى توسيع عجز الميزان التجاري، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الاستيراد منذ توقف مصفاة “سامير” عام 2015.
وسجل العجز التجاري العام الماضي مستوى قياسياً تجاوز 38 مليار دولار، بزيادة تقارب 15.8%، فيما تخطت واردات الطاقة 11 مليار دولار.
كما قد تتأثر صادرات الأسمدة بسبب نقص الكبريت المستخدم في صناعة الأسمدة لدى مجموعة “OCP”، ما يضيف ضغطاً إضافياً على الميزان التجاري، في وقت تُعد فيه الفوسفات ومشتقاته من أبرز صادرات البلاد.
وتواجه المجموعة تقلبات في أسعار الأمونيا وحمض الكبريتيك، وهي مواد أساسية في إنتاج الأسمدة، تأثرت بدورها باضطرابات الإمدادات عبر مضيق هرمز، حيث ارتفعت واردات المغرب من حمض الكبريت إلى نحو 1.6 مليار دولار في 2025.
تكلفة الدعم وضغط المالية العمومية
على مستوى المالية العامة، تبرز كلفة الدعم كأحد أبرز التحديات، حيث أعادت الحكومة تفعيل دعم قطاع النقل، إلى جانب استمرار دعم غاز البوتان والكهرباء عبر صندوق المقاصة، بتكلفة شهرية تُقدّر بنحو 170 مليون دولار.
ويرى كونرادي أن فعالية هذا الدعم في كبح التضخم تبقى محدودة، خاصة أن الاقتصاد المغربي سجل معدلات تضخم مرتفعة في السنوات الأخيرة رغم استمرار سياسات الدعم.
ومن المتوقع استمرار دعم مواد أساسية مثل الدقيق والسكر وغاز الطهي، مع الحفاظ على سياسة ربط الدرهم بسلة من الدولار واليورو، رغم دعوات مؤسسات دولية لمزيد من التحرير.
وخلال العام الماضي، تجاوزت كلفة الدعم 1.7 مليار دولار، مع تسجيل انخفاض نسبي نتيجة تراجع أسعار غاز البوتان، لكن من المتوقع أن تعاود الارتفاع مع زيادة أسعار الطاقة.
ومع إضافة دعم النقل، يُرجح أن ترتفع نفقات صندوق المقاصة، ما يضغط على العجز المالي المستهدف عند حدود 3% من الناتج الداخلي.
وتشير تقديرات مؤسسات بحثية إلى أن استمرار أسعار النفط فوق 100 دولار قد يرفع عجز الميزانية ويزيد التضخم ويقلص النمو بنحو نقطة مئوية.
مخاطر الركود التضخمي
في ظل هذه التطورات، يحذر خبراء من احتمال دخول الاقتصاد في سيناريو “الركود التضخمي”، حيث يجتمع ارتفاع الأسعار مع تباطؤ النمو، ما يشكل تحدياً كبيراً للسياسات الاقتصادية.
وتهدف الحكومة إلى إبقاء التضخم في حدود 2% خلال السنوات المقبلة، بعد أن سجل مستويات مرتفعة في السابق.
ويرى خبراء أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يقتصر تأثيره على المستهلكين فقط، بل يمتد إلى الشركات عبر زيادة تكاليف الإنتاج، ما يضغط على الاستثمار والتشغيل.
كما أن تباطؤ الاقتصاد الأوروبي، الشريك التجاري الأول للمغرب، قد يضيف مزيداً من الضغوط على الصادرات المغربية.
فرص رغم الأزمة
ورغم هذه التحديات، تبرز بعض الفرص المحتملة، إذ قد تستفيد المملكة من إعادة توجيه سلاسل الإمداد العالمية، وتعزيز موقعها كمركز صناعي قريب من أوروبا وأمريكا.
كما قد يشهد القطاع السياحي انتعاشاً إضافياً، في ظل توجه بعض السياح نحو وجهات أكثر استقراراً، خاصة بعد أن استقبل المغرب 20 مليون سائح العام الماضي.
وفي ظل استمرار الضغوط، تبقى خيارات التمويل الخارجي مطروحة، بما في ذلك إمكانية اللجوء إلى خط ائتماني مرن من صندوق النقد الدولي بقيمة 4.5 مليار دولار، في حال تجاوزت أسعار النفط مستويات 120 دولاراً للبرميل.
المصدر: إقتصاد الشرق