كان الأطفال المغاربة يستقبلون رمضان زمان، بالأغاني والأهازيج الشعبية، ويرددون بأصوات طفولية مرحة “تيريرا تيريا هذا شهر الحريرة” و”رمضان بوشاشية شبعنا شباكية.. رمضان بوطربوش.. شبعنا الكرموس.. رمضان بوكريرة.. شبعنا الحريرة”، و”رمضان يا الحبيب.. شبعنا قهوة وحليب”.
يقفزون ويطوفون الأزقة والشوارع معبرين عن فرحهم وابتهاجهم بدخول هذا الشهر الكريم، ويعددون أنواع الأكلات الشهيرة التي لا تخلو منها الموائد الرمضانية.
ورغم تراجع هذه الممارسة الطفولية فإن الذاكرة الجماعية ما زالت تحتفظ بها، وتسترجعها خلال الجلسات العائلية، وينقلها الكبار شفاهة للجيل الجديد، في حنينٍ لأيام رمضان الماضية.
الصائم الصغير
يرتبط رمضان في الذاكرة الشعبية المغربية بتقاليد وعادات متنوعة تلتقي كلها في الاحتفاء بهذا الضيف العزيز، وتسعى الأسر بشتى الوسائل لتحبيب الأطفال في الصيام وربطهم بهذا الركن الديني، لذلك يكون أول يوم صيام للطفل يوما مميزا وحدثا عائليا مهما.
تحتفل الأسر بالصائمين الصغار في احتفالات كبيرة ووفق طقوس متنوعة يحضرها كل أفراد العائلة، حيث تزين الطفلة الصائمة بزينة العروس وتلبس قفطانا وتاجا على الرأس، وتنقش يداها بالحناء، أما الطفل فيلبس جلبابا أو “جبادورا” وطربوشا، وتخضب يده بالحناء على شكل دائرة صغيرة.
وتملأ ربة البيت المائدة الرمضانية بما لذ وطاب مما يشتهيه الصائمون الصغار، وعلى رأسها صينية تمر وكؤوس الحليب التي يفتتح بها الطفل إفطاره وسط حضور عائلي كبير.
وفي شمال المغرب، تضع الأم قطعة نقود وسط الأكل أو كأس حليب، أو يحاط الكأس بدملج من فضة وأوراق نقدية قبل أن يبدأ به الطفل الصائم فطوره.
وبعض الأسر تجعل الطفل يتسلق سلما خشبيا قبل الإفطار دلالة على تقربه من الله وصعوده الروحي بالصيام. ومن بين التقاليد الأصيلة التي بدأت تتراجع، ما يسمى بسبع حراير، إذ تقوم أُم الطفل قبل أذان المغرب بجلب زبدية حساء “الحريرة” -وهو أهم طبق في رمضان- من عند 7 جيران وتمزجها لتقديمها في مائدة أول صيام للطفل.
ويبلغ أوج الاحتفالات برمضان في ليلة 27 وهي ليلة القدر في عرف المغاربة، وفيها تظهر تقاليد أخرى، ويحث معظم الآباء أبناءهم الصغار على الصيام، فهي ليلة مباركة ومقدسة، يتم فيها تعطير البيوت بالبخور، وإخراج الصدقات ونشر الفرح.
أما الأطفال الذين يصومون هذا اليوم فيرتدون اللباس التقليدي وتضع الفتيات “الخلالات والسفيفة” على الرأس وهي مجوهرات أمازيغية، ويبدؤون إفطارهم بالتمر والعسل الحر واللوز والبيض المسلوق.
بين رمضان زمان ورمضان اليوم، عادات وطقوس تتراجع عاما بعد آخر، تحاول الأمهات والجدات بوصفهن حارسات التقاليد تشجيع بناتهن على القيام بها وإحياء ما استطعن منها، وينقلنها شفاهة للأبناء والأحفاد علها تظل حية في الذاكرة.
المصدر: الجزيرة