في قراءة أكاديمية لتداعيات الفيضانات التي شهدتها مجموعة من المدن المغربية خلال الأسابيع الأخيرة، اعتبر الأستاذ محمد بنطلحة الدكالي، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة جامعة القاضي عياض، أن هذه الكارثة الطبيعية شكلت اختباراً عملياً مكثفاً لقدرة الدولة على تدبير أزمة واسعة النطاق في سياق يتسم بتسارع الوقائع وضغط الزمن وتغير المعطيات. وأوضح أن حجم التحدي لا يقاس فقط بكمية التساقطات أو باتساع المجال المتضرر، بل بمدى قدرة السلطات على قراءة المؤشرات بسرعة، واتخاذ القرار في اللحظة المناسبة، وتنسيق التدخلات بما يضمن سلامة السكان واستمرارية المرافق الحيوية. واعتبر أن هذه اللحظات تمثل محكاً حقيقياً لما يعرف في الأدبيات الأكاديمية بمفهوم “القدرة الدولتية” (State Capacity)، أي قدرة الدولة بمختلف مؤسساتها على ترجمة القرار السيادي إلى أثر ميداني ملموس في زمن محدود وتحت ضغط مرتفع.
وأشار ذات المتحدث في تصريحه لموقع كشـ24، إلى أن الفهم المعاصر للأزمات لم يعد ينظر إليها كأحداث استثنائية فقط، بل كوضعيات يلتقي فيها تهديد مرتفع بضيق زمني ونقص في المعطيات. وفي هذا السياق يبرز التمييز بين حالات يمكن فيها توقع الاحتمالات مسبقاً، وأخرى تفرض اتخاذ القرار في ظل معطيات جزئية أو متغيرة بسرعة. واعتبر أن الانتقال من مجال التوقع إلى مجال عدم اليقين هو اللحظة التي تختبر فيها فعلياً قوة الدولة، لأن الحفاظ على القدرة على التوجيه والتحكم في ظل الغموض يعد معياراً مركزياً في تقييم الأداء المؤسسي في الظروف الحرجة.
وسجل بنطلحة الدكالي أن المعطيات المرتبطة بالفيضانات الأخيرة أظهرت اعتماد منطق استباقي في التدخل، من خلال تفعيل منظومة التنبؤ والإنذار المبكر Vigirisques Inondations، القائمة على دمج بيانات الأرصاد الجوية بالنماذج الهيدرولوجية وتحليل تدفقات الأودية. وقد مكنت هذه الآلية من توقع ذروة السيول قبل وقوعها، ما أتاح إطلاق عمليات إجلاء وقائي واسعة شملت أكثر من 154 ألف شخص، وبلغت في بعض التقديرات نحو 188 ألفاً في مراحل لاحقة، من بينهم عشرات الآلاف بمدينة القصر الكبير، وهو ما حدّ بشكل واضح من الخسائر البشرية رغم قوة التساقطات. واعتبر أن امتلاك المبادرة الزمنية في مثل هذه الأوضاع يعد مؤشراً حاسماً على فعالية الأداء، لأنه يسمح بتوجيه الأحداث بدل الانجرار وراءها.
وأوضح الاستاذ الجامعي أن هذه العمليات جرت عبر تعبئة متزامنة لمختلف أجهزة الدولة، من قطاعات حكومية ومؤسسات أمنية وعسكرية وسلطات ترابية وفرق طبية واجتماعية، في إطار قيادة منسقة، وهو ما يعكس درجة متقدمة من التكامل المؤسساتي. فوفق نظريات الحوكمة، لا يتحول تعدد الفاعلين إلى مصدر فعالية إلا بوجود إطار قيادي قادر على توحيد الجهود وتوجيهها نحو هدف واحد.
وأضاف بنطلحة الدكالي أن التدبير لم يتوقف عند مرحلة الإنقاذ، بل انتقل سريعاً إلى مرحلة إعادة الاستقرار، عبر إطلاق برنامج دعم وإعادة تأهيل بقيمة تقارب 3 مليارات درهم، يشمل تعويضات لإعادة بناء المساكن المتضررة قد تصل إلى 140 ألف درهم، إضافة إلى إصلاح البنيات التحتية ودعم الأنشطة الاقتصادية والفلاحية. واعتبر أن هذه السرعة في الانتقال من التدخل العاجل إلى إعادة التأهيل تندرج ضمن خصائص “الدولة الراعية” (Welfare State)، أي الدولة القادرة ليس فقط على ضبط المجال العام، بل أيضاً على حماية مواطنيها اجتماعياً واقتصادياً زمن الأزمات.
وفي مقارنة بسياق أوسع، أشار المتحدث ذاته إلى أن الاضطرابات الجوية نفسها طالت مناطق من إسبانيا والبرتغال، حيث سجلت خسائر بشرية ومادية وأثارت نقاشاً سياسياً واسعاً، بلغ حد إعلان وزيرة الداخلية البرتغالية ماريا لوسيا أمارال استقالتها في 11 فبراير 2026 عقب الانتقادات المرتبطة بتدبير الأزمة. كما استُحضرت التجربة المغربية في بعض النقاشات البرلمانية المقارنة باعتبارها نموذجاً في سرعة الإجلاء ونجاعة التدخل الاستباقي، وهو ما اعتبره مؤشراً على تحول التجربة إلى مرجع ضمني في تقييم إدارة الأزمات.
وإلى جانب العامل المؤسسي، أبرز مصرحنا أهمية ما يعرف بمفهوم “المرونة الاجتماعية” (Social Resilience)، أي قدرة المجتمع على التماسك والتعاون تحت الضغط بما يعزز فعالية التدخل العمومي. وقد عكست الوقائع الميدانية صوراً متعددة من التضامن بين المواطنين وفرق التدخل، وهو نمط تفاعل سبق أن برز في أزمات سابقة، من بينها جائحة كورونا وزلزال الحوز سنة 2023، بما يدل على أن الأمر يتعلق بخاصية بنيوية راسخة في علاقة الدولة بالمجتمع عند الشدائد.
وختم بنطلحة تصريحه بالتأكيد على أن قدرة الدولة على إعادة الاستقرار العام بسرعة وانتظام، دون ارتباك إداري أو فراغ تدبيري، تمثل في التحليل المؤسسي أحد أبرز مؤشرات رسوخها البنيوي وصلابة أجهزتها، مشدداً على أن قوة المؤسسات لا تقاس بالشعارات، بل بقدرتها الفعلية على حماية المجتمع وضمان انتظام الحياة العامة بثبات وثقة عندما تبلغ التحديات ذروتها، وهو ما يجسد، في نظره، شعوراً جماعياً مشروعاً بالفخر والاعتزاز بالانتماء إلى الوطن.