“سيدنا رمضان”.. تعبير ذو جذور تاريخية عميقة يجسد تعلق المغاربة التاريخي والروحي بشهر الصيام، وفق المفكر المغربي الحسين الموس.
وفي مقابلة مع “الأناضول”، قال الموس إن ارتباط المغاربة برمضان ممتد منذ تأسيس الدولة الإسلامية في المملكة، ومترسخ عبر تقاليد دينية واجتماعية متعاقبة.
وأوضح الموس، مدير “مؤسسة محيط ومركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط”، أن المغاربة يقبلون على رمضان بمحبة وقناعة، معتبرا أن خصوصية التجربة المغربية تتجلى في المزج بين البعد التعبدي والاجتماعي.
وأضاف أن هذا الارتباط يرجع إلى تأسيس الدولة الإدريسية مع المولى إدريس الأول (743-793 م)، حيث كانت حريصة على الالتزام بمقومات الدين منذ بداية نشأة الدولة المغربية الإسلامية، من إمارة المؤمنين والبيعة الشرعية، وصولا إلى المرابطين والموحدين وغيرهم.
طقوس سلطانية
وأوضح الموس، أن السلاطين في المغرب كانوا يقيمون طقوسا مرتبطة ببعض المناسبات الدينية، ومنها شهر رمضان؛ حيث كانوا يقدمون الأعطيات، ويقيمون ختم “صحيح البخاري” في المساجد خلال هذا الشهر الفضيل، مما ساهم في ترسيخ هذا الارتباط العميق بين المغاربة ورمضان.
ولفت إلى أن المذهب المالكي ساهم في الارتباط القوي للمغاربة بهذا الشهر الكريم، فضلا عن الجانب الصوفي، إذ ارتبطوا مبكرا ببعض الطرق الصوفية، وكان لذلك أيضا أثر في تعظيم الشعائر الدينية، ومن بينها شهر رمضان.
وبحسب الموس، فإن المغاربة يعتبرون أن رمضان “موسم جماعي”، بمعنى أن الصيام ليس عبادة فردية مستقلة أو شأنا شخصيا محضا، بل هو موسم جماعي بامتياز، حيث تتلاحم الأسرة فيه، وتجتمع على مائدة الإفطار، وخلاله تقوى أواصر القرابة والتضامن.
واعتبر أن هناك طقوسا اجتماعية خاصة بهذا الشهر، مثل “النفار” الذي يوقظ الناس لتناول السحور، وغيرها من المظاهر المرتبطة بالشهر الكريم.
الإقبال بمحبة وقناعة
واعتبر أن حرص المغاربة على حرمة رمضان “ليس بدافع قسري، وليس كما يزعم البعض، بسبب وجود فصل في القانون الجنائي يجرم الإفطار العلني في رمضان”.
وينص “الفصل 222” من القانون الجنائي في المغرب على أن “كل من عرف باعتناقه الدين الإسلامي، وجاهر بالإفطار في نهار رمضان في مكان عمومي، دون عذر شرعي، يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة مائتي درهم (نحو 22 دولار)”.
ولفت المفكر المغربي إلى أن هذه المادة القانونية موجودة منذ فترة الاستعمار، وحقيقتها ليست إكراه الناس على الصوم، لأن القرآن الكريم صريح: “فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر”، وإنما الغاية منه “احترام المشاعر الجماعية وصيانة النظام العام”.
وأكد أن المغاربة يقبلون على رمضان بمحبة وقناعة، لافتا إلى أنه “قد يقع تفريط في بعض العبادات الأخرى، لكن رمضان يظل مناسبة للإقبال على بقية الطاعات من صلاة، وصدقات، وأخلاق حميدة”.
وحسب الموس، فإن “رمضان بالنسبة للمغاربة موسم لتكامل العبادات وتجديد الصلة بالله وتعزيز الروابط الاجتماعية”.
خصوصية رمضان
وتابع: “إذا أردنا أن نقارن المغرب ببعض دول المشرق، فإن للمغرب عدة خصوصيات في شهر رمضان، حيث يتم تغيير أوقات العمل والدوام الرسمي”.
وأشار إلى “العودة إلى الساعة القانونية، مراعاة لأحوال الموظفين وتيسيرا عليهم، لأن الدولة تعي أن الناس يسهرون لصلاة التراويح والقيام، فتُكيّف الزمن الإداري مع الزمن التعبدي”.
ويرى أن رمضان عند المغاربة موسم لصلة الرحم بامتياز؛ إذ تقوى الروابط بين أفراد الأسرة الواحدة، ويكثر التزاور، وتتعزز الاتصالات بين الأقارب، مما يسهم في الاستقرار الأسري وإصلاح ذات البين، “فالبعد الاجتماعي في رمضان حاضر بقوة في الثقافة المغربية”.
تحبيب الصيام للأطفال
ولفت إلى وجود “طقوس خاصة ارتبطت برمضان مثل تحبيب الأطفال في الصيام، وهي نقطة بالغة الأهمية”.
وأضاف: “عندما تبلغ الطفلة مثلا تسع سنوات، يُحتفل بها في أول يوم تصوم فيه، وتلبس لباسا تقليديا، وتُؤخذ لها صور وهي في هيئة عروس صغيرة، أو في مشهد احتفالي يخلد هذه المناسبة، بهدف ترسيخ قيمة الصوم في نفوس الأطفال”.
ومن الطقوس أيضا، وفق الموس، ما يعرف عند بعض المغاربة بـ”خيط رمضان” للأطفال الصغار، أي تدريب الطفل تدريجيا على الصيام.
وأردف: “يُقال للطفل: اليوم ستصوم نصف يوم ثم تفطر، وغدا تصوم نصفا آخر، ونخبرهم بتخييط النصف الأول والثاني، وهكذا يوما بعد يوم حتى يعتاد الصيام كاملا”.
واعتبر الموس أن هذا الأسلوب “طريقة تربوية تراعي طاقة الطفل وتغرس فيه حب العبادة دون مشقة مفرطة”.
وأوضح أن “هذه المعاني والطقوس كلها تسهم في تعميق الارتباط بشهر رمضان، وضمان استمرار هذا التعلق الوجداني والديني به في المجتمع المغربي”.
تحديات الذكاء الاصطناعي
وقال المفكر المغربي إن الشباب اليوم بحاجة إلى “خطاب ديني يواكب عصرهم، ينطلق من واقعهم الرقمي، ومن عالم الرقمنة الذي أصبح يحيط بهم من كل جانب”.
وأضاف أن المغاربة لديهم حضور كبير في الفضاء الرقمي، فحسب الاحصاءات، أعداد الهاتف المحمول في المغرب تتجاوز هاتفا واحدا للفرد، “مما يدل على حجم الحضور الكبير في هذا الصدد، ما يفرض على العلماء والدعاة والقائمين على الشأن الديني الانتباه إلى أهمية التواجد الفعّال في هذه الوسائل”.
ودعا مختلف المعنيين إلى تقديم “محتوى ديني مرتبط برمضان يناسب طبيعة الاستهلاك الرقمي السريع، خاصة لدى الشباب”.
وقال في هذا الصدد: “ينبغي تقديم محتوى خاص برمضان مركز ومختصر وواضح يناسب طبيعة الاستهلاك الرقمي السريع”.
ولفت إلى أن “الانخراط في هذا الفضاء لا يقتصر فقط على وسائل التواصل الاجتماعي، بل يمتد أيضا إلى مجال الذكاء الاصطناعي، لأن الأخير يعتمد أساسا على البيانات الضخمة (Big Data)، أي على كم المعطيات المتاحة له”.
وتابع: “كلما أسهم العلماء في إنتاج محتوى علمي رصين، من مقالات وكتب ومحاضرات، وحوارات، فإن ذلك يزيد المادة المعرفية المتاحة في الفضاء الرقمي، ويجد الشباب ضالته عند البحث، سواء عبر محركات البحث أو عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي أو المنصات الاجتماعية”.
ورأى أن العلماء “مطالبون اليوم بمواكبة هذا العصر بوعي ومسؤولية، حتى نأخذ بيد الشباب ونرشدهم في خضم هذا العالم المفتوح، الموسوم بارتفاع استعمالات الذكاء الاصطناعي”.
وأكد أن “الشباب المغربي، بل والمسلم، ما زال متمسكا بدينه وهويته، لكنه في حاجة إلى خطاب قريب منه، وإلى مواكبة ومؤازرة مستمرة”.