مع حلول عيد الفطر، تعود واحدة من أجمل الطقوس الاجتماعية التي لا تزال تحافظ على بريقها عبر الأجيال، إنها “فلوس العواشر” أو “العيدية”، ذلك التقليد الذي ينتظره الأطفال بشغف كبير في مختلف البلدان العربية، باعتباره لحظة استثنائية تختلط فيها الفرحة بالعطاء، وتُنسج خلالها أجمل الذكريات العائلية.
صبيحة يوم العيد، يتحول المشهد إلى سباق طفولي بريء، حيث يتهافت الصغار على زيارة الآباء والأجداد والأقارب، أملاً في جمع أكبر قدر ممكن من النقود والهدايا. هي لحظات مليئة بالضحك والبراءة، لا تُدخل البهجة فقط إلى قلوب الأطفال، بل تعيد الكبار بدورهم إلى سنوات الطفولة، حين كانوا يعيشون نفس الطقس بنفس الحماس والتطلع.
وتُعد “العيدية” من أبرز مظاهر الاحتفال التي تجسد روح التضامن الأسري، فهي ليست مجرد نقود تُمنح للصغار، بل رسالة حب واهتمام، يشارك من خلالها الكبار فرحة العيد مع أبنائهم وأحفادهم. وغالباً ما يسبق العيد أيام من التخطيط لدى الأطفال، حيث يضعون تصورات لكيفية صرف ما سيحصلون عليه، بين شراء الألعاب أو الحلوى أو حتى ادخارها.
وتعود جذور هذا التقليد إلى عصور تاريخية بعيدة، حيث تشير الروايات إلى ظهوره في مصر خلال العصر الفاطمي، حين كان الحكام يوزعون الأموال والملابس على الناس في الأعياد، فيما عُرفت في العصر المملوكي باسم “الجامكية”، وكانت تُمنح على شكل رواتب أو عطايا للأمراء والجنود. ومع مرور الزمن، تطور هذا التقليد ليأخذ شكله الحالي، خاصة في العهد العثماني، حيث أصبح موجهاً أساساً للأطفال على شكل نقود وهدايا.
وتختلف تسميات ومظاهر “العيدية” من بلد إلى آخر، ففي سوريا تُعرف بـ”الخرجية”، بينما في السعودية ترتبط بأيام “الطلبة” التي يجوب فيها الأطفال الأحياء لجمع الهدايا، وفي الكويت تأخذ طابع “القرقيعان” الذي يجمع بين المكسرات والحلوى. أما في السودان وعُمان، فتتخذ طابعاً اجتماعياً أكثر، من خلال تبادل الزيارات وتوزيع النقود والهدايا وسط أجواء احتفالية مميزة.
وفي المغرب، لا تختلف الصورة كثيراً، حيث تظل “فلوس العواشر” جزءاً أصيلاً من تقاليد العيد، إذ يحرص الكبار على إسعاد الصغار بمنحهم مبالغ مالية أو هدايا، فيما ينشغل الأطفال بجمعها والتباهي بها، بين من يصرفها سريعاً على ما يشتهي، ومن يفضل الاحتفاظ بها لوقت الحاجة، في مشهد يعكس مزيجاً من البراءة والوعي المبكر بقيمة الادخار.
هكذا تستمر “العيدية” كتقليد عابر للأزمنة والحدود، يحافظ على مكانته في وجدان المجتمعات، ويؤكد أن فرحة العيد لا تكتمل إلا بابتسامة طفل، ويدٍ كريمة تمتد لتمنح، وقلبٍ صغير يحلم ويخطط لما هو قادم.
“فلوس العواشر”.. فرحة صغيرة بذاكرة كبيرة في قلوب المغاربة
حرر بتاريخ | 03/20/2026 | من طرف خليل الروحي