رغم الإرث الغني.. لماذ تغيب الدراما التاريخية عن الشاشات المغربية؟


حرر بتاريخ | 03/12/2026 | من طرف كشـ24

تعاني الساحة الفنية بالمغرب من غياب كبير للدراما التاريخية. ذلك أن المتابع لا يعثر على نماذج درامية يستطيع من خلالها خلق علاقة جمالية في ذاته بين الماضي والحاضر.

هذا الغياب يفسر طبيعة القحط الفني الذي يطبع الشاشة الصغيرة وعدم قدرتها على اجتراح مشروع بصري جديد تستطيع من خلاله خلق أفق فني مغاير داخل المسلسلات الدرامية، خاصة حين يتعلق الأمر ببلد مثل المغرب له تاريخ طويل ضارب في قدم الحضارة الإنسانية من خلال المعالم الأثرية والمعمارية التي تعطي للمشاهد صورة عن طبيعة الدول والحضارات التي شهدها المغرب منذ مراحل قديمة.

فهذا التاريخ الحي ينبغي أن ينعكس بصرياً على الإنتاجات الدرامية الرمضانية. بيد أن غياب كتاب سيناريو يمتلكون مشروعاً درامياً قوياً ورهان المؤسسات الإنتاجية على أعمال ترفيهية ذات نمط استهلاكي يومي، يجعل نموذج الدراما التاريخية ينسحب إلى الوراء، مفسحة المجال لكل الأشكال الدرامية الأخرى. فإذا تتبعنا تاريخ الشاشة الصغيرة بالمغرب، سنجد أنفسنا أمام أعمال درامية تهجس بالتاريخ وتحاكي الذاكرة، لكنه يصعب أن نسميها “تاريخية” بالمقارنة مع مسلسلات تركية أو سورية أو فرنسية. إن عدم وجود نقاد متخصصين في الدراما التلفزيونية بالمغرب، يجعل مجموعة من الأفكار الخاطئة تصبح متداولة ويتم التعامل معها على أساس أنها يقينية وحقيقية ينبغي العمل معها.

ما الأسباب؟
تثير مسألة غياب الدراما التاريخية بالمغرب أسئلة جوهرية عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء التهميش الذي يجعل الشاشات الصغيرة تعيد تدوير الموضوعات وتكرار القضية دون أي تجديد يذكر. هل يتعلق الأمر بغياب الإمكانات المادية التي تجعل المؤسسات الإنتاجية تظل بمنأى عن الاهتمام بالدراما التاريخية؟ أم أن السبب كامن في هشاشة البنية الإبداعية التي تجعل العديد من كتاب السيناريو لا يستطيعون كتابة مسلسل تاريخي، بحكم ما يفرضه من مقاربة فنية دقيقة وسياحة طويلة في تاريخ الحضارة المغربية؟ فمثل هذه الأسئلة تتكرر سنة بعد أخرى، لا سيما خلال شهر رمضان، حيث يجد المشاهد نفسه أمام وفرة أعمال درامية تعانق الواقع وتسعى إلى تفكيكه بكيفيات مختلفة من المعالجة البصرية، أمام ما يسجله من غياب مخيف لمسلسلات تاريخية تستوحي ذاكرة المغرب والمغاربة وتحتفي بها جمالياً ودرامياً.

لكن على الرغم من هذا الغياب للدراما التاريخية، فقد نجح العديد من الممثلين المغاربة في أداء أدوار تاريخية مميزة داخل مسلسلات تاريخية عربية، كما هو الشأن مع الممثل ربيع القاطي في المسلسل الليبي “الزعيمان” (2020) للمخرج أسامة رزق. وجسد القاطي في المسلسل دور سليمان باشا الباروني. ورغم صعوبة الدور وتداخل ما هو نفسي واجتماعي ومعرفي وسياسي في شخصية الباروني، نجح القاطي في تجسيد هذا الدور الذي جعله يتوج بجائزة “سبتيموس” كأفضل ممثل. فالممثل هنا، ليس مطالباً بأداء دور مقاوم أو زعيم، بل يفرض عليه سياق الفيلم العودة إلى البحث عن هذه الشخصية وقراءة مصادرها ومراجعها من أجل تقديم صورة دقيقة عن الشخصية التاريخية. وهذا الأمر يتطلب وقتاً طويلاً من ناحية التوثيق والبحث والكتابة، بحيث يعد هذا الأمر من العناصر الخفية التي تجعل كتاب السيناريو والمخرجين يهربون من الدراما التاريخية وينفرون منها لأنها تحتاج إلى وقت.

وبالتالي، فإن أي تسرع على مستوى الكتابة سيكون بمثابة علامات بيضاء على تضاريس الصورة الدرامية، خاصة حين يتعلق الأمر ببعض الأحداث التاريخية البارزة والوقائع التي أثرت في الواقع السياسي للبلد.

وإلى جانب ربيع القاطي، نعثر على اسم مخضرم مثل محمد مفتاح، فهو ليس اسماً عابراً في سماء التلفزيون المغربي، بل يعد أحد أعمدة الدراما التاريخية بالعالم العربي، بحكم الأدوار الكبيرة التي جسدها في العديد من الأعمال مثل “الرسالة” (1976) و”صقر قريش” (2002) و”ربيع قرطبة” (2003) و”ملوك الطوائف” (2005) وغيرهما من المسلسلات العربية والأفلام الأوروبية والأمريكية ذات الميسم التاريخي.

جماليات “الدراما التاريخية”
يسجل المتابع لمجموعة أعمال مغربية مصنفة ضمن خانة “الدراما التاريخية” مدى تشابه هذه الأعمال في تعريف هذا اللون من الدراما. فهي أولاً، مجرد فضاء يحضر فيه الماضي المتمثل في اللباس والزينة والديكور وتدبيج الكلام، لكنها لا تضمر في باطنها معرفة أصيلة بالدراما التاريخية، كما تقدم في أبسط نماذجها العربية، بما جعل هذه الدراما تتميز بنوع من الخفة في التعامل مع مفهوم الحدث التاريخي. هذا الأخير، يشكل علامة بارزة في ثنايا المسلسل، فهو إلى جانب مفهومي الزمن والمكان، يعتبران بمثابة العناصر الجمالية الضرورية للحديث عن دراما تاريخية. لكن، إذا تتبعنا تاريخ الشاشة المغربية، سنعثر على نوعين من الدراما التي يسميها المتفرج بـ “التاريخية”.

الأولى عبارة عن مسلسلات تراثية تستوحي ملامحها الجمالية، انطلاقاً من الموروث الشعبي الذي تحبل به الثقافة المغربية، كما هو الحال لـ “حديدان” و”دار الضمانة” و”عين الكبريت” على سبيل المثال لا الحصر. فهذه النماذج ليست تاريخية، وإنما يروم المخرج من خلالها الاشتغال على حكايات مغربية وقصص شعبية معروفة في المتخيل الشعبي، فيخرجها من طابعها الشعبي الحكائي، صوب هاجس التخييل البصري. ونظراً لارتكاز هذا الموروث الشعبي على الماضي ومحاولة خلق إكسسوار يليق بتلك المرحلة، فإن المتفرج يخيل إليه أنه عمل درامي تاريخي وهذا ليس صحيحاً.

وقد حقق هذا النوع من الدراما الذي نسميه بـ “التراثية” نجاحاً كبيراً في السنوات الأخيرة، بسبب أن المتفرج يجد نفسه أمام حكايات سمعها منذ طفولته، لكنه يجدها ماثلة أمام شاشة التلفزيون، فيخلق معها علاقة حسية قوامها المتعة والحنين. فتجربة مسلسل “حديدان” تمثل نموذجاً لهذا النوع الدرامي الذي ازدهر في المغرب وحقق عائدات تجارية مهمة بالمقارنة مع أنماط درامية أخرى تجد سندها الفكري في تفاصيل الواقع ونتوءاته. غير أن هذه الدراما التراثية اختلفت من ناحية المقاربة البصرية عن الدراما التاريخية، فهي في كتابتها تظل مرتبطة بهاجس التاريخ، لكن فقط من ناحية نحت الشخصيات واستحضار الدروس والقيم التي طبعت المجتمع المغربي خلال فترات سابقة من تاريخه.

أما النموذج الثاني، فهو ينهل من التاريخ أحداثه ووقائعه وفضاءه الدرامي، لكنه لا يتبنى مفهوم “المسلسل التاريخي” بسبب غياب عنصر الدقة في الاشتغال على السياقات والتواريخ وتحويل الشخصيات التاريخية إلى أيقونات تظهر كل ما هو جميل فقط. في حين أن المخرج يكون مدعواً إلى الخروج بالتاريخ من سراديبه وحروبه ووقائعه الرسمية، صوب الاهتمام بالحياة الاجتماعية وتسليط الضوء على قصص منسية في ذاكرة الناس وأجسادهم، بدل الانصياع الكلي للتاريخ الرسمي الذي يحول المسلسلات إلى عبارة عن دروس علمية مصورة وتتخذ من الدراما اسماً لها.

بين الواقع والخيال
لذلك، فإن أغلب المسلسلات التركية الناجحة، يتم التعامل مع الحدث التاريخي فقط كدعامة فكرية تعطي للمخرج شرعية تأصيل حكايتها وجعلها تنطبع ببعد تاريخي، في حين أن الهاجس الأكبر لديه، يتمثل في الصراع الداخلي بين ثنايا الصورة الدرامية من أجل الخروج بها من كل ما هو واقعي، صوب فضاء يختلط فيها التاريخي بالتخييلي. إن المخرج التلفزيوني غير مهتم بمفاهيم من قبيل “التوثيق” و”التأريخ” و”الأرشفة” لأن هاجسه يظل إبداعياً، فهو يهمه الخيال لا الواقع، حتى وإن كان هذا الأخير حاضراً في العمل الدرامي، فإنه يبقى مجرد ذريعة فكرية لممارسة نوع من التخييل الذاتي على الأحداث التاريخية.

كما يتحتم على المخرج أن يتفادى كل ما هو رسمي في بنية هذا التاريخ، وأن يعمل على الحفر عميقاً في المتخيل البصري المكبوت والمنسي في هذا التاريخ. فهذا الحفر التدريجي في ثنايا الخطاب التاريخي، هو الذي يقوده إلى الإعلاء من مفهوم “الهامش” وتسليط الضوء على الدور الذي لعبه العامة في تاريخ المغرب.

إن الصورة الدرامية تمتلك من القوة والسلطة أكثر من الكلمة، لذلك فإن الاشتغال على القضايا الهامشية في التاريخ وتحويلها إلى سيناريوهات درامية يقود المخرج التلفزيوني إلى ابتكار مشروع درامي حقيقي ومختلف ينأى به عن كل الأشكال الدرامية التنميطية التي أصبحت بمثابة عبء على الشاشة التلفزيونية بالمغرب.

المصدر: الجزيرة