تشهد منصات التواصل الاجتماعي في المغرب موجة غضب عارمة غير مسبوقة، تحولت إلى حملة رقمية واسعة تطالب برحيل وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وذلك على خلفية “فضيحة تدبير ملف أضاحي العيد”.
وعجّت منصات التواصل بمنشورات وتعليقات تنتقد تصريحات وزارة الفلاحة بشأن وفرة الأضاحي، في وقت يؤكد فيه مواطنون أن الواقع داخل الأسواق كان مختلفا تماما، حيث واجه آلاف المغاربة صعوبة في العثور على أضحية بأسعار مناسبة، فيما تجاوزت أثمنة العديد من الأكباش القدرة الشرائية للأسر المتوسطة والفقيرة.
ورغم الطمأنة الحكومية المسبقة، التي أكدت توفر أزيد من 9 ملايين رأس من الماشية موجهة للعيد مقابل طلب لا يتعدى 6 ملايين، صُدم المغاربة بواقع مغاير تماما في الأسواق، حيث تسببت “الأرقام الوهمية” للوزارة في أزمة حقيقية تجلت في ندرة حادة في الأضاحي قبل أيام قليلة من العيد، لدرجة عجز عائلات كثيرة عن إيجاد كبش العيد؛ فضلا عن ارتفاع قياسي وخيالي في الأسعار فاق كل التوقعات وقدرة الأسر الشرائية، مما حرم عائلات مغربية لأول مرة من إحياء هذه الشعيرة الدينية، ناهيك عن سيطرة “الشناقة” والمحتكرين على السوق مستغلين غياب المراقبة الصارمة.
ويرى منتقدو تدبير الملف أن الدعم المالي الكبير الذي خصصته الدولة خلال الأشهر الماضية لدعم استيراد الأغنام ومساندة مربي الماشية لم ينعكس على الأسواق بالشكل المنتظر، ما أثار تساؤلات واسعة حول مصير هذه المليارات ومدى نجاعة الإجراءات الحكومية المتخذة لتخفيف الأزمة.
وفي هذا السياق، دعا عدد من الفاعلين السياسيين والحقوقيين إلى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، معتبرين أن الأزمة الحالية تكشف اختلالات واضحة في تدبير قطاع حساس يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي والاجتماعي للمغاربة.
النائب البرلماني مصطفى إبراهيمي وجه سؤالا كتابيا إلى وزير الفلاحة طالب فيه بفتح تحقيق حول المعطيات الرسمية المتعلقة بأعداد القطيع الوطني وأسعار الأضاحي، منتقدا ما وصفه بفشل تدبير الملف للسنة الثانية على التوالي، ومطالبا الوزير بتقديم استقالته والاعتذار للمواطنين.
من جهته، دخل وزير العدل الأسبق المصطفى الرميد على خط الجدل، معبرا عن استغرابه من استمرار ارتفاع أسعار الأضاحي رغم الدعم العمومي والموسم الفلاحي الذي وصف بالجيد، معتبرا أن الوضع الحالي يطرح علامات استفهام كبيرة حول فعالية السياسة الفلاحية المعتمدة.
وأكد الرميد، في تدوينة نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أن حجم التذمر الشعبي هذه السنة غير مسبوق، مشيرا إلى أن تصريحات المسؤولين بشأن إمكانية اقتناء أضاحي بأسعار منخفضة لا تعكس الواقع الذي عاشه المواطنون داخل الأسواق.
كما يطالب نشطاء بتوضيحات دقيقة حول عملية ترقيم القطيع الوطني وكيفية مراقبتها، خاصة بعد انتشار معطيات تتحدث عن وجود اختلالات محتملة في عملية الإحصاء وتتبع رؤوس الأغنام، وهو ما اعتبره البعض سببا مباشرا في الفارق الكبير بين الأرقام الرسمية وحقيقة العرض المتوفر بالأسواق.
ويؤكد متابعون أن الأزمة أعادت إلى الواجهة النقاش حول فعالية الدعم العمومي الموجه للقطاع الفلاحي وضرورة تشديد آليات المراقبة والشفافية، خصوصا في ما يتعلق بملفات الدعم والاستيراد واحتكار الأسواق.
وفي ظل استمرار الجدل، تتواصل الدعوات المطالبة بفتح لجنة تقصي حقائق مستقلة للكشف عن أسباب الارتفاع غير المسبوق في أسعار الأضاحي وتحديد المسؤوليات، وسط مطالب بمحاسبة كل المتورطين في واحدة من أكثر الأزمات الاجتماعية إثارة للغضب خلال السنوات الأخيرة.