السعدية فنتاس
في وقتٍ تتزايد فيه مشاهد “إخراج الجن” على مواقع التواصل الاجتماعي، وتتحول جلسات الشعوذة إلى نشاط شبه علني، خرج البروفيسور الدكتور محمد قصير، الفيلسوف وعالم النفس التحليلي، بتصريحات جريئة تدعو إلى إعادة النظر في الطريقة التي يفسّر بها المغاربة معاناتهم النفسية، محذرًا من خطورة تحويل الغيب إلى أداة للنصب والاحتيال.
وصرح الدكتور محمد قصير الفيلسوف وعالم النفس اتحليلي والاستاذ والباحت لجريدة كشـ24 على أن ما يُعرف شعبيًا بـ“السماوي” أو “المسّ” لا يستند إلى أي أساس علمي، بل يُمثّل في جوهره آلية نفسية دفاعية يلجأ إليها الفرد هربًا من مواجهة ألمه الداخلي. واعتبر أن العقل البشري قادر على إنتاج الألم والمعاناة دون الحاجة إلى تدخل قوى خارقة، من خلال القلق، الصدمة، الاكتئاب، أو التفكك النفسي.
الهروب من الداخل إلى الخارج
وأوضح المتحدث أن تفسير الاضطرابات النفسية بالسحر أو الجن يمنح راحة مؤقتة، لأنه ينقل الألم من الداخل إلى الخارج، ويُعفي الفرد من تحمّل مسؤولية ذاته. وأضاف أن الاعتراف بوجود اضطراب نفسي يتطلب وعيًا وشجاعة ومسار علاج، بينما يوفّر الخطاب الغيبي حلًا سريعًا ومقبولًا اجتماعيًا، خاصة في مجتمعات ما تزال تنظر إلى العلاج النفسي بنوع من الوصم.
وأشار الكتور قصير إلى أن هذا التوجه لا يعكس قوة الإيمان، بقدر ما يعكس هشاشة في الوعي النفسي والعلمي، مؤكدًا أن الخرافة تنتشر حين يغيب التعليم النقدي ويضعف النقاش العمومي حول الصحة النفسية.
الصدمة الجماعية وتوريث الخوف
وفي قراءته للسياق المجتمعي، ربط الدكتور قصير انتشار الشعوذة بتاريخ طويل من الصدمات الجماعية، من فقر وهشاشة اجتماعية وقمع وعنف رمزي، موضحًا أن هذه العوامل تُنتج خوفًا جماعيًا ينتقل عبر الأجيال، ويُعاد تفسيره في قالب غيبي.
واعتبر أن الخرافة ليست معرفة بقدر ما هي لغة للخوف، يتم توريثها كحل نفسي جاهز، خصوصًا في البيئات التي يغيب فيها الأمان الوجودي والثقة في المؤسسات العلمية والصحية.
كيف يُقنع المشعوذ ضحاياه؟
وحول الكيفية التي تتحول بها الأوهام إلى أعراض جسدية حقيقية، أوضح قصير أن المشعوذين يعتمدون على تقنيات نفسية معروفة، من بينها الإيحاء، التهيئة المسبقة، وتأثير التوقّع، إضافة إلى الضغط الجماعي داخل جلسات “العلاج”.
هذه العوامل، بحسبه، قد تؤدي إلى تشنجات أو صراخ أو فقدان وعي، وهي أعراض نفسجسدية حقيقية، لكن مصدرها الدماغ لا “الجن”، مشددًا على أن العلم أثبت قدرة الجسد على الاستجابة للفكرة كما يستجيب للمرض العضوي.
بين الإيمان والاستغلال
وفي ختام تصريحاته، فرّق الدكتور محمد قصير بين الإيمان الديني السليم، الذي يعزز الطمأنينة ولا يتعارض مع الطب، وبين الاستغلال المرضي للغيب، الذي يحوّل الدين إلى أداة لإنتاج الخوف وإخضاع الإنسان للمشعوذ.
وحذّر من خطورة وضع المريض أمام خيار زائف بين الإيمان والعلاج، معتبرًا أن هذا الطرح لا يخدم الدين ولا الإنسان، بل يفتح الباب أمام مزيد من النصب والاحتيال باسم المقدس.
تصريحات الكتور القصير تعيد إلى الواجهة نقاشًا حساسًا حول الصحة النفسية وحدود الغيب، في مجتمع لا يزال يفضّل تفسير الألم بالسحر على مواجهته علميًا، في وقتٍ تبدو فيه الحاجة ملحّة إلى خطاب عقلاني يحمي الإنسان من الخوف… ومن مستثمريه.