أكد المصطفى قاسمي، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، أن ملف الصحراء المغربية شهد منعطفاً تاريخياً حاسماً يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، إثر استخدام روسيا لحق النقض (“الفيتو”) ضد مشروع القرار الأمريكي بمجلس الأمن الدولي الرامي إلى تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة (المينورسو).
اعتبر المحلل السياسي، في قراءته لتداعيات استخدام حق النقض “الفيتو” بـمجلس الأمن وتطور قضية الصحراء المغربية، أن هذا التطور الاستثنائي لم يكن مجرد تعثر ديبلوماسي عابر في أروقة الأمم المتحدة، بل شكّل هزة بنيوية في مسار النزاع الإقليمي المفتعل، متوجاً ببلاغ تاريخي للديوان الملكي المغربي أعلن فيه طي الملف نهائياً من أجندة المنظمة الدولية.
وذكر قاسيمي أنه يمكن تقسيم المسار التاريخي للنزاع إلى ثلاث محطات أساسية حددت معالم الوضع الراهنن أولها مرحلة الاسترجاع التاريخي وتأسيس الروابط (1975 – 1991)، والتي توجت مسيرة الاسترجاع السلمي المظفرة عبر تنظيم المسيرة الخضراء سنة 1975، والتي مكنت المغرب من استرجاع أقاليمه الجنوبية على أساس الروابط التاريخية والقانونية والبيعة الدينية والوطنية بين عرش السلاطين المغاربة وقبائل الصحراء.
وفي سنة 1991، يضيف الخبير السياسي، أُبرم اتفاق وقف إطلاق النار برعاية أممية، وتأسست بناءً عليه بعثة “المينورسو” كمهمة مؤقتة لمراقبة وقف إطلاق النار والتمهيد لتنظيم استفتاء تبين استحالة تطبيقه ميدانياً وقانونياً وديموغرافياً منذ عقود.
وبالنسبة للمرحلة الثانية، فتتجلى في فترة الجمود الدبلوماسي ومبادرة الحكم الذاتي (2007 – 2024)، فأمام انسداد أفق الاستفتاء، تقدم المغرب سنة 2007 بمبادرة جريئة وواقعية تقضي بمنح حكم ذاتي للأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية. ومنذ ذلك الحين، شهد مجلس الأمن تحولاً تدريجيًا في صياغة قراراته، حيث توالت القرارات الأممية (وخصوصاً في العقد الأخير) لاعتبار المبادرة المغربية الحل الأساسي والجاد والواقعي الوحيد الكفيل بإنهاء النزاع، مع تقلص تدريجي لطروحات الانفصال.
وأما بالنسبة للمرحلة الثالثة، فهي فترة الحسم الدولي والتحول الميداني (2025 – أكتوبر 2026)، حيث توجت هذه المسيرة باعترافات دولية واسعة النواة وسيادية من لدن قوى كبرى وعالمية بمغربية الصحراء. وفي 31 أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار 2797 الذي شكل ذروة الدعم الأممي لمقترح الحكم الذاتي، وصولاً إلى محطة الجمعة 30 أكتوبر 2026 التي شهدت سقوط مشروع قرار التمديد بفيتو روسي وما تلاه من بلاغ ملكي حاسم يعلن الانتقال إلى مرحلة الحسم المطلق.
وأكد رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية أن السقوط المفاجئ لمشروع القرار الأمريكي في 30 أكتوبر 2026 جاء نتيجة تقاطعات تنافسية كبرى بين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة وروسيا والصين)، حيث وظفت موسكو حق النقض لأسباب ترتبط بتوازناتها الدولية ومصالحها الاستراتيجية، متسببة في عدم تمرير تمديد بعثة المينورسو.
وأشار إلى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية أنه ورغم أن الدافع الروسي لم يكن موجهًا ابتداءً لخدمة الأجندة المغربية، إلا أن مفرزاته القانونية والسياسية صبت بشكل مطلق في مصلحة الموقف المغربي الاستراتيجي عبر كسر حلقة “التسويف المزمن” وتحويل الوجود الأممي عبر المينورسو إلى آلية أبدية لإدارة الأزمة بدلاً من حلها كان يخدم الخصوم لإبقاء الملف مشتعلاًز
وذكر المحلل السياسي أنه بانتهاء ولاية المينورسو، فقدت “المنطقة العازلة” مبرر وجودها الإجرائي الدولي، مما يمنح المغرب غطاءً ميدانياً لإحكام سيادته الكاملة على شريطه الحدودي والترابي، معتبرا أن القرار 2797 (لسنة 2025) بقي آخر وأقوى وثيقة رسمية صادرة عن المجلس تزكي مبادرة الحكم الذاتي كحل حصري، مما يُبقي الأطروحة المغربية في موقع القوة القانونية المطلقة.
وفي سياق متصل، شدد قاسيمي على أن بلاغ الديوان الملكي المغربي جاء ليعكس قراءة سياسية واستراتيجية بالغة العمق، تقوم على تحويل “الأزمة الإجرائية الأممية” إلى مكسب سيادي نهائي، عبر طي الملف نهائياً من الأجندة الأممية، وذلك بعدما أعلن المغرب عن انتهاء مبرر بقاء الملف رهيناً لمتاهات مجلس الأمن.
وأبرز أن البلاغ شدد على ضرورة الانتقال من مرحلة التدبير إلى مرحلة الترسيم السيادي، من خلال تكريس الواقع الميداني الذي لا رجعة فيه؛ فالصحراء مغربية تاريخياً وقانونياً وفعلياً، والتنمية الشاملة التي تشهدها الأقاليم الجنوبية تجعل الارتباط بالوطن الأم حقيقة جغرافية وبشرية لا تحتاج لتصديق خارجي.
كما أكد البلاغ كذلك على السيادة المطلقة للمغرب على صحرائه وحماية حدوده الشرعيةن حيث شدد المغرب على تمسكه بوقف إطلاق النار ضمن معادلة الردع الصارم؛ وأن أي محاولة للمساس بالسلامة الترابية للبلاد أو محاولة خلق توترات وهمية في المنطقة العازلة ستواجه برد عسكري وسيادي حازم من القوات المسلحة الملكية.
وذكر المحلل السياسي أن أحداث الجمعة 30 أكتوبر 2026 أبرزت أن قضية الصحراء المغربية قد تجاوزت مرحلة النقاشات داخل أروقة الأمم المتحدة. فاستخدام روسيا لـ “الفيتو” وإسقاط تمديد المينورسو، تلاه الإعلان الملكي الحازم بسحب الرهان على متاهات مجلس الأمن، وضع خصوم الوحدة الترابية أمام باب مسدود حقيقي. لقد أُسدل الستار عملياً على وهم “التقرير الأممي المفتوح”، وأصبح المغرب يدير سيادته المطلقة على كامل ترابه الوطني من المنظومة المحلية إلى أقصى الحدود، مسجلاً انتصاراً تاريخياً لمنطق الحق التاريخي والدبلوماسية الاستباقية.