كشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025، عن وضعية مقلقة لقطاع المجازر ونقل اللحوم الحمراء بجهة مراكش-أسفي، مسلطا الضوء على الفوارق الشاسعة بين النصوص القانونية والواقع الميداني، مع تقديم خارطة طريق استعجالية للنهوض بهذا المرفق الحيوي الذي يمس الصحة العامة والتنمية الاقتصادية.
واقعية المراقبة الصحية: أرقام وتحديات
سجل التقرير نقصا حادا في فعالية المراقبة الصحية، حيث أن 47% فقط من المجازر بالجهة تخضع للرقابة (68 مجزرة من أصل 145). ويعزو المجلس هذا الخلل إلى نقص الموارد البشرية، إذ لا يتجاوز عدد الأطباء البياطرة والتقنيين المشرفين 28 شخصا، فضلا عن ضعف الإمكانيات اللوجستية.
وردا على ذلك، أكدت وزارة الاقتصاد والمالية تخصيص 150 منصبا و48 سيارة نفعية برسم سنة 2025 لتعزيز قدرات المكتب الوطني للسلامة الصحية (ONSSA).
محدودية نمط “الإيجار” وتهالك البنيات
تعتمد 108 جماعات بالجهة (أي 74%) نمط “الإيجار” في تدبير مجازرها. وانتقد المجلس هذا النمط لكونه يركز على العائد المالي للجماعة دون اشتراط تحسين جودة الخدمة أو الاستثمار في البنية التحتية، مما أدى إلى تهالك التجهيزات وتراجع مستوى الخدمات.
كما أشار التقرير إلى إشكالات التخطيط الحضري، حيث تتواجد مجازر داخل أحياء سكنية مكتظة، مما يخلف أضرارا بيئية كضعف شبكات الصرف الصحي وانتشار الروائح.
تأهيل المذابح القروية والأسواق الأسبوعية
شدد التقرير على الدور المحوري للمذابح القروية في تعزيز جاذبية الأسواق الأسبوعية، غير أنها ورغم هذه الأهمية، تعاني هذه المذابح من اختلالات جسيمة ونقص في الشروط الصحية والبيئية الضرورية.
وأكد المجلس، على ضرورة تبني مقاربة شاملة لتأهيل هذه الفضاءات وفق معايير السلامة الصحية، مع مراعاة الجوانب التقنية والخصوصيات التراثية لكل منطقة، وذلك عبر إعداد خارطة دقيقة لمواقع المذابح وتصنيف الأسواق حسب أهميتها لتحديد أولويات التأهيل، مع الحزم في إغلاق المذابح غير المستوفية للشروط في الأسواق الأقل نشاطا.
كما يجب حصر إنتاج وتسويق اللحوم داخل هذه المذابح في يوم انعقاد السوق حصرا، ومنع دخول اللحوم من خارجه أو تسويقها بعيدا عنه.
ولضمان نجاعة هذا الإصلاح، يمكن الاستئناس بدفتر شروط المكتب الوطني للسلامة الصحية (ONSSA)، مع ضرورة تعزيز المراقبة البيطرية الدائمة، وإطلاق برامج تكوينية لموظفي المكاتب الصحية الجماعية، بالإضافة إلى تخصيص خاتم طبع مميز للحوم الموجهة حصريا لهذه الأسواق لضمان جودتها وسلامة المستهلك.
المخطط المديري وبطء التنفيذ
رغم وجود استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030” التي تهدف لتحديث المجازر، إلا أن التنزيل الترابي يواجه عقبات، حيث أوضح التقرير أن 30% من مشاريع المجازر الجديدة بالجهة تعرف بطءا بسبب تعقيد المساطر الإدارية وصعوبة توفير التمويلات المتبقية، إضافة إلى ضعف التنسيق بين وزارة الفلاحة والجماعات في إعداد ملفات الدعم.
توصيات المجلس: نحو إصلاح هيكلي
أوصى المجلس الأعلى للحسابات وزارتي الداخلية والفلاحة بضرورة التعجيل ببلورة رؤية مشتركة وموحدة لإصلاح قطاع المجازر على مستوى جهة مراكش-أسفي، تهدف إلى الإصلاح والتأهيل الشامل لجميع المجازر الحالية، بما فيها تلك الموجودة على مستوى الأسواق الأسبوعية.
كما يشدد على التعجيل باعتماد نسخة نهائية محينة للمخطط المديري للمجازر بهدف التوفر على شبكة مندمجة تضمن تغطية شاملة لتراب الجهة وتلبي الحاجيات من اللحوم الحمراء مع احترام المعايير التقنية والبيئية والصحية.
ولتنفيذ ذلك، يقترح المجلس إحداث آلية جهوية تضم كفاءات من المكتب الوطني للسلامة الصحية والشركاء المعنيين لقيادة وتأطير وتتبع مشاريع المجازر وتجهيزها واعتمادها صحيا.
ويتضمن مقترح الإصلاح تعويض نظام التسعير الحالي القائم على الرسوم الضريبية بنظام يعتمد “الثمن” لتجاوز نقائص تعدد الرسوم وضعف الارتباط بالخدمة، مع مراجعة وتحيين الإطار التنظيمي المرجعي لضمان تنزيل مقتضيات قانون السلامة الصحية للمواد الغذائية.
كما يدعو المجلس لمواكبة الجماعات في إخراج المشاريع المبرمجة، وعلى رأسها المجزرة الجهوية التابعة لمجلس الجهة، عبر تعبئة الوسائل الضرورية للاستثمار سواء عن طريق التدبير المباشر، المفوض، أو استثمارات الخواص.
أما فيما يخص الأسواق الأسبوعية، فيؤكد المجلس على بلورة مخطط خاص لتأهيل مذابحها عبر إعداد تصميم دقيق يحدد مواقعها ويصنفها حسب أهميتها الاقتصادية والاجتماعية لتحديد أولويات التدخل.
ويشمل المخطط ربط إنتاج اللحوم بيوم انعقاد السوق حصرا ومنع تسويقها خارجه إلا بترخيص، ومنع تزويد السوق بلحوم من الخارج إلا من مجازر معتمدة.
وأخيرا، يوصي بتوسيع وتحديث أسطول نقل اللحوم عبر استقطاب الاستثمار الخاص وتكثيف مراقبة الشاحنات ومطابقتها للمعايير التقنية من قبل المصالح المختصة.