مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة، يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه كأحد أبرز الأدوات التي يُنتظر أن تؤثر في شكل الحملات الانتخابية وطرق التواصل مع الناخبين، في ظل التحول المتسارع الذي تشهده الممارسات السياسية بفعل التطور التكنولوجي والاعتماد المتزايد على البيانات والمنصات الرقمية.
وفي هذا السياق، قال طارق حيدار، أستاذ التعليم العالي وخبير في الأمن المعلوماتي والذكاء الاصطناعي والمنسق الجهوي لمنظمة شباب الأصالة والمعاصرة بجهة مراكش آسفي، في تصريحه لموقع كشـ24، إن الذكاء الاصطناعي بات يُستخدم في مختلف الميادين والقطاعات، ومن المؤكد أن توظيفه سيصبح مرتبطا بشكل وثيق بالحملات الانتخابية، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية.
وأوضح حيدار أن الذكاء الاصطناعي يُحدث تحولا جذريا وعميقا في مفهوم الحملة الانتخابية، بعدما كانت هذه الأخيرة تعتمد أساسا على التجمعات الميدانية، والمنشورات الورقية، واللقاءات المباشرة ووسائل الإعلام التقليدية، لتنتقل اليوم إلى نموذج هجين يجمع بين الحملة الميدانية والحملة الرقمية القائمة على البيانات الضخمة والخوارزميات.
وأشار الخبير إلى أن الذكاء الاصطناعي يتيح للحملات الانتخابية إمكانيات مهمة، من بينها تحليل اهتمامات المواطنين ورصد القضايا الأكثر تداولا داخل المجتمع وتتبع النقاش العمومي على المنصات الرقمية، فضلا عن قياس ردود الفعل تجاه البرامج والمقترحات السياسية من خلال تحليل التفاعلات الرقمية.
كما يمكن، وفق المتحدث ذاته، توظيف الذكاء الاصطناعي في تبسيط البرامج الانتخابية الطويلة والمعقدة وتحويلها إلى محتويات رقمية سهلة الاستيعاب، من قبيل الفيديوهات والتصاميم، مع إمكانية تكييف الخطاب بحسب الفئات العمرية والاجتماعية المختلفة، وترجمة المضامين إلى لغات متعددة بما يضمن وصول الرسائل السياسية إلى أوسع شريحة ممكنة.
ويرى حيدار أن القوة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تكمن، بالأساس، في قدرته على ملاءمة الحملة الانتخابية مع الواقع المحلي، من خلال تقنيات التصنيف وتحليل البيانات المتاحة بشكل قانوني وأخلاقي، مع احترام مقتضيات القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وضرب المتحدث ذاته مثالا باختلاف القضايا والأولويات من مدينة إلى أخرى ومن جماعة ترابية إلى أخرى، موضحا أن تحليل المعطيات يمكن أن يساعد الحملات الانتخابية على فهم خصوصية كل منطقة، وتوجيه الخطاب والبرامج نحو معالجة الإشكالات الواقعية التي تهم المواطنين، سواء في مراكش أو الصويرة أو غيرهما.
وفي جانب آخر، أبرز الخبير أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم في تطوير الإدارة الداخلية للحملات الانتخابية، من خلال التحليل الآني والمستمر للأداء، وقياس مؤشرات النجاعة، وتنسيق العمل الميداني استنادا إلى المواضيع الأكثر جذبا لاهتمام الرأي العام، فضلا عن مساعدة فرق التواصل السياسي على التفاعل السريع مع التساؤلات والمستجدات.
غير أن هذا التحول، بحسب حيدار، يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بالحد الفاصل بين التواصل السياسي المشروع والتلاعب الرقمي بالناخبين.
وحذر في هذا الصدد من مخاطر مرتبطة بتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، خصوصا التزييف العميق «Deepfake» لإنتاج مقاطع وصور وأصوات مضللة، إلى جانب نشر الشائعات والمعلومات غير الدقيقة، فضلا عن إمكانية استخدام الجيوش الإلكترونية والروبوتات البرمجية لصناعة انطباعات زائفة حول وجود رأي عام مؤيد أو معارض لقضية معينة.
كما نبه مصرحنا إلى مخاطر التنميط المفرط أو «Micro-targeting»، من خلال بناء ملفات دقيقة حول الناخبين، قد تصل إلى أبعاد نفسية وسلوكية، بهدف استغلال مخاوفهم أو نقاط ضعفهم والتأثير في اختياراتهم الانتخابية.
وخلص حيدار إلى أن الذكاء الاصطناعي سيصبح أداة حاسمة وتنافسية في المشهد الانتخابي، بدءاً من انتخابات 2026 والانتخابات الجماعية المرتقبة في 2027، وصولا إلى استحقاقات 2031، مشددا على أن الأحزاب السياسية مطالبة بمواكبة هذا التحول بكفاءة ومسؤولية.
وأكد الاستاذ الجامعي أن المشهد السياسي ينتقل تدريجيا من مفهوم «الحملة الرقمية» إلى مفهوم «الحملة الانتخابية الذكية»، حيث تصبح البيانات عاملا موجها للتحركات والتواصل، مع التأكيد على أن القرار السياسي والمسؤولية يجب أن يظلا بيد الإنسان.
وشدد حيدار على أن الحملة الانتخابية الناجحة في المستقبل لن تكون بالضرورة تلك التي تستخدم أكبر قدر من تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنما تلك التي تستطيع تحقيق التوازن بين التكنولوجيا المتطورة، والعمل الميداني، والتواصل الإنساني الصادق مع الناخبين.