قالت الدكتورة بشرى المرابطي، أخصائية نفسية وباحثة في علم النفس الاجتماعي، إن موجة التذمر الواسعة التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي بسبب ارتفاع أسعار الأضاحي لا ينبغي اختزالها في مجرد رد فعل انفعالي مبالغ فيه أو شكوى عابرة مرتبطة بالغلاء، بل يجب فهمها باعتبارها مؤشرا على وجود ضغط نفسي واجتماعي جماعي مرتبط بمناسبة تحمل حمولة دينية ورمزية قوية داخل المجتمع المغربي.
وأوضحت المرابطي، في تصريحها لموقع كشـ24، أن عيد الأضحى لا يمثل بالنسبة إلى الأسر المغربية مجرد مناسبة دينية أو قرارا استهلاكيا عاديا، بل يرتبط بشكل وثيق بالتقرب إلى الله والوفاء بطقس ديني واجتماعي راسخ، معتبرة أن شعور المواطنين اليوم بصعوبة اقتناء الأضحية أو استحالة ذلك بسبب ارتفاع الأسعار يولد إحساسا لا يتوقف عند الجانب المادي، بل يمتد إلى أبعاد نفسية ورمزية عميقة.
وأضافت المرابطي أن الوضع الحالي يندرج ضمن ما يمكن وصفه بالإحباط الجمعي أو الضغط المرتبط بالعجز المدرك، وهو شعور ينشأ عندما يدرك الأفراد أنهم غير قادرين على تحقيق ما يعتبرونه معيارا اجتماعيا ودينيا مألوفا، وفي مثل هذه السياقات، تقول المتحدثة، تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاءات للتنفيس الانفعالي، حيث يعبر المواطنون عن القلق وخيبة الأمل، بل وحتى الإحساس بالظلم وفقدان السيطرة.
وأشارت الباحثة في علم النفس الاجتماعي إلى أن الموسم الحالي كان محاطا بتوقعات إيجابية لدى المواطنين، خاصة بعد التساقطات المطرية التي شهدتها البلاد، وارتفاع أعداد رؤوس الأغنام مقارنة بالسنة الماضية التي لم يقبل خلالها المغاربة على الأضاحي، فضلا عن الخطابات الرسمية التي تحدثت عن ضبط الأسعار والتحكم في الأثمنة. غير أن الواقع، تضيف المتحدثة، خلف صدمة كبيرة لدى فئات واسعة من المواطنين بعد بلوغ الأسعار مستويات وصفتها بشبه الخيالية، الأمر الذي جعل حتى الطبقة المتوسطة تجد نفسها عاجزة عن اقتناء الأضحية.
وأكدت مصرحتنا أن مظاهر التذمر لم تعد مقتصرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحت حاضرة في البيوت، وأماكن العمل، والمقاهي، وفي مختلف فضاءات النقاش اليومي، مبرزة أن انتقال هذا الشعور إلى العالم الأزرق ساهم في توسيع نطاقه من خلال ما وصفته بالعدوى الانفعالية الرقمية، حيث تنتقل مشاعر القلق والاستياء بسرعة عبر الصور والتعليقات ومقاطع الفيديو، ما يعزز الإحساس الجماعي بالأزمة ويضاعف الشعور بالحزن أو الغضب بشكل متبادل.
وشددت الأخصائية النفسية على ضرورة تفهم هذا التوتر المجتمعي باعتباره ناتجا عن ضغط نفسي حقيقي، معتبرة أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا في تضخيم هذا الإحساس وتسريع انتشاره، حتى بات موضوع الأضحية وغلائها يشكل أحد أبرز انشغالات المواطن خلال هذه المرحلة.
وفي السياق ذاته، حملت المرابطي الدولة مسؤولية كبيرة في تدبير هذا الملف، موضحة أن المغاربة امتثلوا خلال السنة الماضية للتوجيهات الملكية، وكانوا يعلقون آمالا كبيرة على إمكانية إحياء شعيرة الأضحية هذه السنة في ظروف أفضل، غير أن ارتفاع الأسعار خلف حالة من الصدمة والإحباط الجماعي تستوجب التفهم والانتباه.
وختمت المتحدثة تصريحها بالتحذير من مآلات استمرار هذا الشعور بالإحباط، خاصة إذا استمر غلاء الأضاحي خلال السنوات المقبلة، معتبرة أن تراكم هذا الإحساس بالعجز والإقصاء من ممارسة طقس ديني واجتماعي راسخ قد ينذر بتداعيات نفسية واجتماعية مقلقة.