تُسابق الأمهات وربات البيوت والنساء العاملات على حدّ سواء الزمن خلال أيام شهر رمضان لإعداد مائدة رمضانية تُرضي أذواق كل أفراد الأسرة والضيوف. ومع اقتراب موعد الإفطار، يتحوّل المطبخ إلى معملٍ صغير تعد فيه أنامل النساء أطباقاً تمزج بين الحلو والمالح، وتجمع بين حساءٍ ساخن، وشوربات متنوعة، ومخبوزات وفطائر تختلف أشكالها وأنواعها، في مشهد يومي يعكس عبء المسؤولية والحرص على الحفاظ على العادات والتقاليد المتوارثة.
قبل ساعات من أذان المغرب، تبدأ عقارب الساعة في الركض أسرع داخل بيوت كثيرة. بين قدورٍ تغلي، وعجينٍ يُشكَّل على عجل، وحشوات بالكفتة والدجاج، وكعكة بالليمون والقشدة، تختلط الروائح في المطبخ، وتحاول النساء إدارة الوقت بحنكة، في طقس يتكرر كل يوم من أيام رمضان.
تروي سعاد الحسيني، وهي أمّ لثلاثة أطفال وتعمل موظفة، كيف يبدأ يومها الرمضاني باكراً، قبل ساعات من التوجه إلى العمل. تقول: “أحاول أن أُحضّر جزءاً من الطعام في الصباح؛ أُخرج اللحم أو الدجاج من المجمّد، وأتفق مسبقاً مع أفراد أسرتي على الطبق الرئيسي الذي يفضلونه”. وتضيف أنه عند عودتها من العمل، تتجه مباشرةً إلى المطبخ لاستكمال ما تبقى من التحضيرات، مؤكدةً أن “شوربة الحريرة تعد طبقاً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه على المائدة الرمضانية في المغرب”. وبالنسبة إلى سعاد، يُعدّ رمضان شهراً تتضاعف فيه المسؤوليات والحسنات أيضاً، خاصةً مع إصرار العائلة على الحفاظ على طقوس تعتبرها جزءاً لا يتجزأ من روح الشهر.
وعلى عكس إيقاع سعاد المنظّم، تبتسم فاطمة الزهراء سليم، ربة بيت وأم لطفلين، وهي تصف علاقتها بالمطبخ في رمضان بقولها: “أنا أحبّ الطبخ، وكنت أحلم بأن أصبح طاهيةً محترفةً، لذلك فإن وجودي في المطبخ يمنحني متعةً خاصةً، لكن هذا لا ينفي السؤال اليومي الذي يتكرر داخل معظم البيوت “ماذا سنطبخ اليوم؟”. وتضيف أنها لا تتقيد دائماً بالأطباق المتعارف عليها خلال هذا الشهر، بل تتفنن في تجربة وصفات جديدة، وتحضير الفطائر والمخبوزات باختلاف أشكالها، إلى جانب إعداد المهلبية بمزج نشاء الذرة بالحليب والسكر ثم نكهة الزهر للحصول على قوام متماسك.
وتستدرك قائلة: “أحياناً أبدأ متأخرةً، لكنني أُعوّض ذلك بسرعة الأداء نتيجة خبرة السنوات. وبالنسبة إليها، لا تُقاس السفرة بعدد الأطباق، بل بالأجواء التي تُصنع لحظة الإفطار، مؤكدة أن “أجمل ما في رمضان هو أن نجتمع حول مائدة بسيطة، ونضحك على بطوننا التي تتحول إلى ما يشبه الكرات”.
أما لدى نائلة الإدريسي، فتبدو التجربة مختلفة. فالأستاذة، والأم لثلاث بنات، لا تنظر إلى تحضير مائدة الإفطار في رمضان بوصفه عبئاً يومياً، بل طقساً جماعياً تتقاسمه مع بناتها اللواتي اعتدن الدخول إلى المطبخ والمشاركة في تفاصيله. تقول إن لكل واحدة منهن مهمة محددة: من تجهيز الأواني والكؤوس التي تلزم السفرة، إلى إعداد ما تشتهيه كل واحدة بنفسها؛ مرة فطيرة محشوة بالشوكولاتة والموز، ومرةً بريوشا (خبز حلو) بالعسل، وأخرى شوربة سمك أو عدس، فيما تساعد إحداهن في تقطيع الخضر والفواكه وغسل الصحون، وإعداد العصير والشاي.
ولا يتوقف الأمر عند تنويع الأطباق، إذ تؤكد نائلة أن الطهي بالنسبة إليها فعل عناية قبل أن يكون مسألة ذوق، لذلك تحرص على تقليل كمية الملح مراعاةً لزوجها المصاب بارتفاع ضغط الدم. وتختم بالقول إن هذه الحركية اليومية، بما تحمله من تعاون وتقاسم، هي ما يمنح المائدة الرمضانية معناها الحقيقي: نتعلّم كيف نعتني بعضنا ببعض، وكيف يتحول الطعام إلى لغة حب وتعاون وتضامن، لنتفرغ للعبادة والذكر”.
في المقابل، تقدّم تجربة فاطمة نوح، الصحافية التي تعمل عن بُعد والأم لثلاثة أبناء، صورة مختلفة لتنظيم اليوم الرمضاني. تقول إنها تسعى إلى مرونة أكبر في توزيع وقتها بين الالتزامات المهنية والمسؤوليات الأسرية. وتوضح: “أستطيع إنجاز عملي، وفي الوقت نفسه أخصّص حيّزاً لإعداد مائدة الإفطار للأسرة الصغيرة. تكون لدي أفكار مسبقة عن الأطباق التي ستزيّن المائدة، وعن تفضيلات كل فرد من أفراد أسرتي. فابني الأكبر، مثلاً، يتّبع حمية غذائية، لذلك أحرص على إعداد أطباق صحية ومتوازنة تناسبه”. وتضيف أن اجتماع أفراد الأسرة حول المائدة لا يقتصر على كونه لحظة لتناول الطعام، بل يشكّل فرصةً يوميةً لإعادة ترتيب إيقاع اليوم، وتقوية الروابط الأسرية.
وعلى بُعدٍ من دفء العائلة، تعيش خديجة أيت علي، الطالبة الجامعية التي تقيم بمفردها بعيداً عن أسرتها، شهر رمضان بطقوس مختلفة. تقول بابتسامة لا تخلو من حنين، إن المائدة، كما اعتادتها في السنوات الماضية، لم تعد حاضرة: “لا وجود لمائدة أمي بالمعنى المعروف، بل وجبات بسيطة وسريعة التحضير؛ غالباً طبق خضار مع قطع من الدجاج أو اللحم، أو طاجين كفتة إلى جانب حبات التمر، وحلوى الشباكية، وكأس من الشاي”. وتضيف أن رمضان، بالنسبة إليها، لا يُختصر في الطعام بقدر ما يُختزل في الأجواء العائلية الغائبة وصلاة التراويح: “أشتاق إلى أمي وإخوتي، وإلى ذلك النقاش اليومي حول من سيجمع المائدة؟ ومن سيغسل الصحون؟”.
إنه السؤال نفسه الذي يتكرّر كل مساء داخل البيوت. فبعد ساعات طويلة من التخطيط والطبخ وضبط التفاصيل الصغيرة، وما إن تُقدَّم مائدة الإفطار، كلٌّ حسب إمكاناته، حتى يبدأ العدّ العكسي لانتهائها. ربع ساعة من الأكل، تعقبها مفاوضات يومية حول من سيجمع المائدة ومن سيتولى غسل الصحون.
وبين من تجد من يخفف عنها العبء، ومن تتحمّل المسؤولية وحدها، تختلف التفاصيل، لكن الثابت أن يوم المرأة في رمضان لا ينتهي مع أذان المغرب. بل يمتد إلى إعداد وجبة السحور، والحرص على إيقاظ أفراد الأسرة وتلبية حاجاتهم قبل أذان الفجر، ثم الاستيقاظ صباح اليوم التالي لمواصلة رحلة مشابهة، مثقلة بالتحديات والجهد، وموزّعة بين التزامات العمل والبيت، وخصوصية شهر الصيام. وفي كل ذلك، تتجسّد الحكمة الصوفية القائلة: “كل مكان لا يُؤنَّث لا يُعوَّل عليه”، إذ تبقى الأم محور اللمة العائلية، وصانعة الدفء والذكريات المشتركة، وتجعل من كل ركن في البيت شاهداً على معاني الحب والعمل والصبر، في شهر تتضاعف فيه المسؤوليات كما تتضاعف الحسنات.