ملف الأحد: شوارع مراكش تحت رحمة الفوضى.. حين تتحول العشوائية لوقود للاختناق المروري


حرر بتاريخ | 11/08/2026 | من طرف نزهة بن عبو

أضحت مدينة مراكش التي تتربع على عرش السياحة المغربية، وتستقطب ملايين الزوار من مختلف أنحاء العالم، عاجزة عن استيعاب حجم الحركة التي تعرفها شوارعها بسبب الاختناقات المرورية، لتتحول بذلك رحلات عادية داخل المدينة إلى فترات انتظار طويلة وسط طوابير السيارات والدراجات النارية، مما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه مدينة البهجة.

وتتعدد أسباب هذه الاختناقات بمدينة مراكش وتتنوع، إلا أنها لا تقتصر فقط على تزايد أعداد السيارات وضغط حركة التنقل، بل تمتد أيضا إلى الطريقة التي يجري بها استعمال الفضاء العمومي، حيث تتحول بعض الشوارع والأرصفة، إلى فضاءات للوقوف العشوائي والتوقف المؤقت، في مشهد يزيد من حدة الازدحام.

عند زيارتك لمراكش تكفيك جولة واحدة بين شوارع المدينة، لتكتشف أن مدينة النخيل لا تحتاج إلى حادثة سير أو أشغال طرقية حتى تتعطل حركة مرورها، إذ يكفي أن تتوقف سيارة أو دراجة في الصف الثاني، أو أن تشغل مركبة لنقل البضائع جزءاً من الطريق، حتى تبدأ طوابير السيارات في التراكم، ليجد السائقون أنفسهم أمام ممرات ضيقة. وفي خضم هذا المشهد، تحاول الدراجات النارية التسلل بين السيارات والبحث عن منافذ للعبور وكأنها تحاول الخروج من متاهة، لتزيد بذلك من حدة هذا الوضع وتزيد من إمكانيات وقوع حوادث سير بسبب تشابك مسارات مختلف مستعملي الطريق.

ومن بين مظاهر اختلالات تدبير الفضاء الطرقي بمدينة “البهجة” نجد الوقوف المزدوج أمام المحلات التجارية والمقاهي، والتوقف العشوائي لسيارات الأجرة في انتظار الزبائن، فضلا عن وقوف حافلات النقل السياحي ومركبات نقل البضائع في أماكن لا تتوفر دائما على فضاءات مخصصة لها.

ولا يقتصر الأمر على الوقوف العشوائي للسيارات والدراجات النارية، بل يمتد أيضاً إلى احتلال أجزاء من الطرقات والأرصفة، من طرف عدد من المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية والبقالة، فضلاً عن الباعة المتجولين، الذين يعرض بعضهم سلعهم في مساحات مخصصة أصلاً لمرور الراجلين. ويزيد هذا الوضع من تعقيد حركة السير، إذ يجد المارة أنفسهم، في كثير من الأحيان، مضطرين إلى مغادرة الأرصفة والنزول إلى الطريق لمواصلة سيرهم، في احتكاك مباشر مع السيارات والدراجات النارية، ما يعرض سلامتهم للخطر ويرفع من احتمالات وقوع حوادث السير.

ولا تقف آثار هذه السلوكيات عند حدود إبطاء حركة السير، بل تمتد إلى حرمان الراجلين من حقهم في استعمال الأرصفة، وإجبار بعضهم على النزول إلى الطريق لمواصلة السير، بما يضاعف من مخاطر التنقل، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الحركة المحدودة.

وتبرز حدة هذه الإشكالية بشكل أكبر في المناطق التجارية والسياحية، حيث تتقاطع حركة السيارات الخاصة وسيارات الأجرة والدراجات النارية والحافلات السياحية مع حركة الراجلين والأنشطة التجارية، كحالة محيط المدينة العتيقة وأزقة جيليز وشارع الداخلة والمحاميد في جنبات الأقواس فضلا عن شارع الحسن الثاني.

وتكشف هذه الاختلالات عن جانب آخر من أزمة التنقل بالمدينة، يتعلق بمدى كفاية مواقف السيارات والمرائب المتاحة، ومدى قدرتها على استيعاب الطلب المتزايد، خصوصاً في المناطق التي تستقطب أعداداً كبيرة من الزوار والمتسوقين. فالبحث عن مكان للركن في بعض الشوارع قد يتحول بدوره إلى مصدر إضافي للازدحام، عندما يضطر السائقون إلى الدوران أكثر من مرة أو التوقف بشكل مؤقت في انتظار شغور مكان مناسب.

وفي محاولة لتعزيز العرض المخصص للوقوف، دخل المرآب الجماعي تحت أرضي بساحة 16 نونبر بحي جليز مرحلة الاستغلال خلال شتنبر 2026، بهدف المساهمة في تنظيم مواقف السيارات وتخفيف الضغط على الفضاءات المحيطة. غير أن توفير مثل هذه المرافق يظل مرتبطاً بمدى توزيعها بشكل يتناسب مع حاجيات مختلف أحياء المدينة ومناطقها التجارية والسياحية، إلى جانب ضمان وضوح التعريفة وشروط الاستفادة منها.

ولا تقتصر الإشكالية على عدد المواقف المتاحة، بل تشمل أيضاً طريقة تدبيرها ومراقبتها، في ظل ما يرافق بعض المواقف من خلافات مرتبطة بالتعريفة واستغلال الملك العام. ويزداد الوضع تعقيدا مع انتشار مواقف عشوائية في عدد من الأزقة والشوارع، حيث يعمد بعض الأشخاص إلى تخصيص مساحات من الطريق لركن السيارات والدراجات النارية دون سند قانوني واضح، مقابل فرض مبالغ مالية على أصحابها، في ممارسات تساهم في الاستحواذ على أجزاء من الفضاء الطرقي وتضييق المساحة المتاحة لحركة المرور.

وتثير هذه المواقف خلافات متكررة بين المواطنين والأشخاص الذين يتولون حراستها، خاصة في ما يتعلق بالمبالغ المطلوبة مقابل الركن، فضلا عن عرقلة حركة السير، خصوصاً في الأزقة والشوارع الضيقة التي تتحول أجزاء منها إلى مواقف غير منظمة، ما يزيد من الضغط على شبكة الطرق ويطرح تساؤلات حول آليات مراقبة استغلال الملك العام وتنظيم مواقف السيارات بالمدينة.
أما على مستوى المراقبة، فتعمل المصالح الأمنية بشكل متكررعلى تنظيم حملات ميدانية تستهدف الحد من مظاهر الوقوف والتوقف العشوائي، والتصدي للمخالفات التي تعرقل حركة السير، خاصة في الشوارع والمحاور التي تعرف ضغطاً مرورياً كبيراً.

وتشمل هذه التدخلات مراقبة احترام علامات التشوير، وتحرير المخالفات في حق المركبات المتوقفة في أماكن ممنوعة أو التي تعرقل حركة المرور، فضلاً عن اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حق المخالفين.
وفي إطار جهودها الرامية إلى تعزيز السلامة الطرقية والتصدي للمخالفات، سجلت المصالح الأمنية بمراكش، خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير إلى 31 أكتوبر، ما مجموعه 250 ألفاً و16 مخالفة لقانون السير بمختلف أنواعها.

وشملت هذه التدخلات التصدي لحالات السياقة الخطيرة، التي بلغت 338 حالة بالنسبة للسيارات، مقابل 20 ألفاً و334 حالة بالنسبة للدراجات النارية.

كما أسفرت العمليات الأمنية عن إحالة 12 ألفاً و615 دراجة نارية على المحجز البلدي، بسبب مخالفات لقانون السير، إلى جانب إحالة 17 ألفاً و171 سيارة على المحجز البلدي للأسباب نفسها.

وتندرج هذه العمليات ضمن مخطط أمني خاص بالسير والجولان، يمتد من الساعة السادسة صباحاً إلى غاية انتهاء حركة السير، بهدف مراقبة الطرقات والتصدي للمخالفات وتعزيز احترام قانون السير.

وبعيداً عن الأرقام والإجراءات التنظيمية، يبقى المواطن المراكشي الذي يضطر لاستعمال سيارته أو دراجته النارية بشكل يومي للوصول أو قضاء أغراضه الإدارية والشخصية، الأكثر احتكاكاً بتداعيات هذه الاختلالات، إذ يجد نفسه مضطراً إلى التعامل يومياً مع

ازدحام لا يرتبط فقط بكثافة حركة المرور، بل أيضاً بسلوكيات تزيد من تعقيده.
وبالنسبة إلى عدد من مستعملي الطريق، لا يتعلق الأمر فقط بالتأخر عن الوصول إلى العمل أو المواعيد، بل أيضاً بالوقت الذي يهدرونه في طوابير السيارات، وبالتوتر الذي يرافق التنقل داخل شوارع يفترض أن تكون مفتوحة أمام الجميع.

وفي هذا السياق، أكد محمد، وهو موظف بنكي، أن الازدحام المروري أصبح يفرض عليه تغيير عاداته اليومية، قائلا: “أصبحت أضطر إلى مغادرة المنزل قبل موعدي بوقت أطول، حتى أتمكن من الوصول إلى عملي في الوقت المحدد، خصوصا خلال ساعات الذروة، إذ لم يعد بالإمكان توقع المدة التي قد تستغرقها الرحلة، بسبب الاختناق الذي تعرفه عدد من الشوارع”.

من جانبه، أكد حسن، سائق سيارة أجرة، أن سائقي سيارات الأجرة من بين الفئات الأكثر احتكاكا بهذه الإشكالية، بالنظر إلى طبيعة عملهم التي تفرض عليهم التنقل باستمرار بين مختلف أحياء المدينة.
وقال: “الاختناق المروري أصبح معاناة يومية، خصوصا في بعض المحاور التي تعرف حركة كثيفة، مثل شارع آسفي وشارع محمد السادس وشارع عبد الكريم الخطابي”.

وأضاف المتحدث أن سلوكيات بعض مستعملي الدراجات النارية، خاصة العاملين في خدمات التوصيل، تزيد من تعقيد الوضع، مشيراً إلى أن عدم احترام عدد منهم لقواعد السير والتجاوزات المتكررة التي يرتكبونها يساهمان في خلق حالة من الفوضى داخل الشوارع.

وتضع هذه الشهادات مسألة تدبير الفضاء الطرقي أمام تحد يتجاوز مجرد تحرير المخالفات أو تنظيم أماكن الوقوف، ليطرح ضرورة تحقيق التوازن بين مختلف مستعملي الطريق، من سائقين وراجلين ومهنيين وتجار.

وفي مدينة تستقبل أعدادا كبيرة من الزوار وتعرف حركة يومية نشطة، يصبح الحفاظ على الفضاء العمومي وتنظيم استعماله جزءا لا يتجزأ من معالجة أزمة السير. فحين يتحول الرصيف إلى موقف للسيارات، والشارع إلى فضاء للانتظار، لا تضيع فقط انسيابية المرور، بل يتراجع أيضا حق المواطن في التنقل داخل مدينته في ظروف آمنة ومنظمة.