يرى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض والمحلل السياسي محمد بنطلحة الدكالي، أن موجة العبور الجماعي الأخيرة نحو مدينة سبتة المحتلة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد أزمة حدودية أو حدثا ظرفيا، بل هي امتداد لظاهرة إنسانية رافقت التاريخ منذ قرون، عنوانها البحث عن “الإلدورادو”، أي الأرض التي يُعتقد أنها تختصر الطريق إلى الثروة والنجاة والسعادة.
وأوضح الدكالي ضمن تصريحه لموقع كشـ24، أن أسطورة “الإلدورادو” التي ظهرت قبل نحو خمسة قرون دفعت آلاف الإسبان والمغامرين الأوروبيين إلى مغادرة أوطانهم بحثا عن مدينة من الذهب، بعدما راجت روايات عن زعيم من السكان الأصليين كان يغطي جسده بالذهب ويغتسل في بحيرة مقدسة تُلقى فيها الحلي والقطع الذهبية قرابين للآلهة. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الروايات إلى اعتقاد بوجود مملكة غنية لا تنضب ثرواتها، فانطلقت حملات استكشافية إلى غابات الأمازون وسفوح جبال الأنديز، ليلقى كثير من الباحثين عن هذا الحلم مصرعهم دون أن يعثر أحد على تلك المدينة الموعودة.
وأضاف المتحدث ذاته أن التاريخ أعاد إنتاج المشهد نفسه خلال القرن التاسع عشر مع حمى الذهب في كاليفورنيا وكلوندايك الكندية، حيث اندفع عشرات الآلاف وراء حلم الثراء السريع، غير أن معظمهم عاد خالي الوفاض أو فقد حياته، بينما كانت الأرباح الحقيقية من نصيب من وفروا المؤن والخدمات للمغامرين.
وأشار الدكالي إلى أن هذه الوقائع التاريخية تكشف عن نزعة إنسانية متكررة، تتمثل في سعي الإنسان إلى الهروب من واقع صعب نحو صورة مثالية عن المستقبل، حتى وإن كان هذا المستقبل قائما على أوهام أو احتمالات ضعيفة، ومن هذا المنطلق، يفسر الأستاذ الجامعي ما شهدته مدينة سبتة خلال الأيام الأخيرة، حين اندفع آلاف الشباب المغاربة، وبينهم عدد كبير من القاصرين، نحو المدينة المحتلة في واحدة من أكبر موجات العبور التي عرفتها المنطقة.
وفي تحليله للأسباب المباشرة لهذه الموجة، أوضح الدكالي أن شبكات تهريب البشر استغلت حكما أصدرته المحكمة العليا الإسبانية بتاريخ 29 يونيو 2026، وروجت لتفسيرات مضللة أوحت لآلاف الشباب بأن الوصول إلى سبتة سباحة سيحول دون إعادتهم إلى المغرب. ويتعلق الأمر بقضية مهاجر جزائري أوقفه الحرس المدني الإسباني في البحر أثناء محاولته الوصول إلى سبتة سباحة، حيث ميزت المحكمة بين المهاجرين الذين يصلون بحرا، والذين يخضعون للمسطرة الإدارية العادية، وبين من يحاولون اجتياز السياج الحدودي، الذين يظل نظام الإرجاع الفوري قابلا للتطبيق.
وأكد المتحدث أن هذا التفريق القانوني جرى تأويله بشكل خاطئ، ليتحول في أذهان كثير من الشباب إلى وعد جديد بالعبور، تماما كما تحولت أسطورة “الإلدورادو” في الماضي إلى يقين دفع الآلاف إلى المجازفة بحياتهم أملا في الوصول إلى أرض الأحلام.
غير أن الواقع، يضيف الدكالي، سرعان ما بدد هذه التصورات، بعدما تجاوز عدد الوافدين قدرة مدينة سبتة على الاستيعاب، وتعذر انتقالهم إلى البر الإسباني، ما أدى إلى عودة معظمهم إلى المغرب بعد أن اكتشفوا أن الوصول إلى سبتة لا يعني بالضرورة الوصول إلى أوروبا.
ويرى المحلل السياسي أن هذا المشهد لا يختلف كثيرا عن مسارات الهجرة في مناطق أخرى من العالم، سواء على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة أو عبر غابة دارين بين كولومبيا وبنما أو في البحر الأبيض المتوسط، إذ تتغير طرق الهجرة وأماكنها، لكن تبقى الفكرة نفسها: البحث عن أرض يُعتقد أنها تمنح حياة أفضل في وقت قصير.
وخلص بنطلحة الدكالي إلى أن أحداث سبتة أعادت إحياء أسطورة “الإلدورادو” في صيغة معاصرة، موضحا أن المدينة الذهبية لم تكن موجودة في الماضي، كما أن سبتة ليست البوابة السحرية التي تختصر الطريق إلى “الفردوس الأوروبي”. فكلاهما، بحسب تعبيره، وعد صنعته المخيلة الجماعية وغذته الشائعات، بينما تغيب عن الواجهة قصص الذين عادوا دون تحقيق أحلامهم، أو الذين أنهكتهم قسوة الهجرة، أو ابتلع البحر أحلامهم قبل الوصول.
وأكد في ختام تصريحه أن الإنسان سيظل يطارد صورة المكان الذي يعتقد أنه يحمل خلاصه، غير أن التجارب التاريخية تثبت، في كثير من الأحيان، أن الطرق التي تعد بكل شيء دفعة واحدة لا تقود إلا إلى السراب، وهو الدرس الذي يتكرر اليوم في سبتة كما تكرر قبل قرون في رحلة البحث عن “الإلدورادو”.