قال محمد بنطلحة الدكالي، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، إن نظرية المؤامرة لم تعد مجرد تفسير هامشي يلجأ إليه البعض لتبرير الأحداث، بل تحولت في عدد من السياقات إلى منظومة فكرية متكاملة يتم من خلالها تفسير مختلف الوقائع، سواء تعلق الأمر بالسياسة أو الاقتصاد أو حتى المنافسات الرياضية.
وأوضح الدكالي ضمن تصريحه لموقع كشـ24، أن هذا النمط من التفكير يقوم، وفق التعريف الأكاديمي، على إرجاع الظواهر المعقدة إلى وجود جهات خفية ومنظمة تتحكم في مجريات الأحداث، مع إقصاء أي تفسير آخر مرتبط بالأخطاء الذاتية أو الاختلالات البنيوية أو تفاوت الكفاءة، وأضاف أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود هذا التفسير، بل في تحوله إلى “تفسير شامل” يرفض النقاش، إذ تصبح كل محاولة لدحضه دليلاً جديداً، في نظر أنصاره، على وجود المؤامرة نفسها.
وأشار أستاذ القانون الدستوري إلى أن وسائل الإعلام، عندما تعتمد هذا الخطاب بصورة متكررة وبصيغة جازمة، تسهم في خلق ما سماه بيئة إدراكية يصبح فيها الشك الدائم قاعدة، فيما يتراجع التحليل الموضوعي لصالح الاتهام والتخمين، معتبرا أن المواطن في هذه الحالة لا يُدعى إلى فهم الوقائع بقدر ما يُدفع إلى الارتياب والاصطفاف النفسي.
واستحضر الدكالي، في هذا السياق، ما أعقب خسارة المنتخب الجزائري أمام نظيره الأرجنتيني في نهائيات كأس العالم، معتبرا أن الهزيمة كانت واضحة من الناحية الفنية والتكتيكية، غير أن النقاش، بحسب رأيه، انصرف سريعا إلى الحديث عن تدخلات خفية وضغوط وتحكيم ومخططات لإقصاء المنتخب، بدل تقييم الأداء داخل أرضية الملعب.
وأكد المتحدث أن هذا النوع من السرديات لا يقتصر على وسائل الإعلام، بل ينتقل إلى الجمهور، ليصبح، حسب تعبيره، جزءاً من الوعي الجماعي، حيث يتم إنكار أسباب الإخفاق الحقيقية وتعويضها بروايات تمنح شعوراً زائفاً بالارتياح. وأضاف: “وكأن المؤامرة هي من سجلت الأهداف وليس ميسي اللاعب الأسطورة، وكأن الكواليس هي التي لعبت المباراة”.
ويرى الدكالي أن هذا النمط من التفكير يمنح أصحابه إحساساً بالتفوق الأخلاقي، من خلال اعتبار أنفسهم ضحايا استهداف دائم، بدلاً من الاعتراف بوجود اختلالات تستوجب المراجعة والتصحيح، مشيراً إلى أن ذلك يعفي الأفراد والمؤسسات من طرح السؤال الجوهري: أين كان الخطأ؟
وختم أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية تصريحه بالتأكيد على أن تحول نظرية المؤامرة إلى ثقافة عامة لا يساعد على فهم الواقع أو إصلاحه، بل يكرس، بحسب تعبيره، ثقافة التبرير ويؤجل مواجهة الاختلالات الحقيقية. واعتبر أن استمرار اللجوء إلى هذا النوع من التفسيرات يمثل مؤشراً على أزمة أعمق تمس آليات النقد الذاتي والمحاسبة، داعياً إلى ترسيخ ثقافة التحليل الموضوعي والاعتراف بالأخطاء باعتبارهما مدخلاً أساسياً لأي إصلاح حقيقي.