تشهد صناعة السياحة المغربية انتعاشا ملحوظا في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، التي عطلت حركة الطيران العالمية وأدت إلى تراجع أعداد المسافرين نحو دول المنطقة.
ومع تزايد المخاوف الأمنية، فضل ملايين السياح التوجه إلى وجهات أكثر أمانا، وهو ما شكل فرصة حقيقية للقطاع السياحي في المغرب.
ويأتي هذا في وقت تواجه فيه دول مثل تركيا، الإمارات العربية المتحدة وقطر اضطرابات كبيرة بسبب الأزمة الإقليمية، ما يهدد نحو 28 مليون رحلة دولية وقد يؤدي إلى خسائر تقدر بنحو 56 مليار دولار من العائدات السياحية في حال استمرار الوضع.
وفي مواجهة هذا الواقع الجيوسياسي، قام المسافرون بإعادة رسم مسارات رحلاتهم نحو بدائل تجمع بين القرب والأمان، وكان المغرب أحد أبرز المستفيدين، مستفيدا من الطلب المتزايد على السفر إلى مناطق مستقرة بعيدا عن النزاعات.
وقد انعكس هذا التحول بوضوح في ارتفاع الطلب على الرحلات إلى مدن مثل مراكش وأكادير، وزيادة نسب إشغال الطائرات، ما يشير إلى تحول جذري في خريطة السفر الدولية لصالح المملكة.
وتشير بيانات حديثة لموقع “توربروم” الروسي المتخصص في السياحة إلى أن المملكة تتبوأ موقعا متقدما كبديل لدبي وبقية الإمارات، حيث بدأ عدد متزايد من السياح خاصة الروس إعادة توجيه رحلاتهم نحو المغرب بشكل جماعي.
ويؤكد التقرير أن هذا التحول ليس مجرد اتجاه مؤقت، بل يمثل إعادة تموضع حقيقية في السوق السياحية، فقد سجلت شركات الطيران ارتفاعا ملحوظا في إشغال الرحلات إلى المغرب، بنسبة تتراوح بين 10 و20٪، مما دفعها إلى توسيع شبكاتها وفتح خطوط جديدة، بما في ذلك رحلات من مدن أوروبية مثل زيورخ، لمواكبة الطلب المتزايد.
ويشير الخبراء إلى أن زيادة العرض الجوي لن تقتصر فوائدها على جذب مزيد من السياح، بل ستعزز المنافسة بين شركات الطيران، ما قد يؤدي إلى أسعار أكثر تنافسية وعروض سياحية متنوعة، وهو ما يزيد من جاذبية المغرب في سوق عالمي شديد المنافسة.
ويستفيد المغرب من مجموعة من العوامل المتزامنة، على رأسها الاستقرار الأمني الذي أصبح عنصرا أساسيا لاختيار الوجهات، وتنوع التجربة السياحية التي تجمع بين المدن التاريخية، الثقافة الغنية، الشواطئ والمناخ المعتدل، ما يميز التجربة المغربية عن الوجهات الخليجية التي ترتكز غالبًا على الرفاهية الحضرية.
كما يظل السوق المغربي بعيدا عن التشبع، ما يمنحه القدرة على استقبال الطلب المتزايد دون ارتفاع مفرط في الأسعار أو ضغط على الخدمات الفندقية والسياحية، مع مرونة في خيارات الحجز، بما يتيح للسائح اتخاذ قراراته في أوقات متأخرة.
ولا يقتصر التوجه الجديد على المغرب فقط، إذ تتجه أنظار السياح أيضا نحو بعض الوجهات البديلة مثل دول غرب البحر الأبيض المتوسط، جمهورية الدومينيكان وموريشيوس، إلا أن المغرب يظل الخيار الأكثر جذبا بفضل قربه الجغرافي من أوروبا وتنافسية الأسعار وتنوع العروض السياحية.
ويضع التقرير هذا التحول في سياق أوسع، موضحا أن الجيوسياسة أصبحت تؤثر بشكل مباشر على صناعة السفر العالمية؛ فالحروب والصراعات لا تؤثر فقط على أسعار الطاقة أو التجارة، بل تمتد إلى قرارات الأفراد المتعلقة بالسفر، وهو ما يفسر إعادة توزيع التدفقات السياحية نحو مناطق أكثر استقرارا.
وفي هذا الإطار، يسعى المغرب إلى تحويل المكاسب الظرفية إلى استراتيجية طويلة الأمد، مع التركيز على استحقاقات كبرى مثل استضافة كأس العالم 2030، بهدف جذب 26 مليون سائح سنويا، وتعزيز مكانته كمنافس رئيسي في السوق السياحية العالمية.