على امتداد السنوات الماضية، اعتادت مدينة مراكش على احتضان كبريات المؤتمرات والتظاهرات الدولية، وهي مناسبات استدعت في كل مرة تشييد قرى مؤقتة متطورة تستجيب لأرقى المعايير التقنية والتنظيمية
فمن قرية مؤتمر المناخ “كوب 22” إلى قرية اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي،مرورا بعدة منشأت ممثالة في منابسات مختلفة، كانت هذه المنشآت محط إعجاب الجميع بما وفرته من فضاءات عملية، وهندسة مرنة، وتجهيزات قادرة على احتضان فعاليات من أعلى مستوى.
غير أنّ الملاحظة التي تكررت بعد كل حدث، هي الإسراع إلى تفكيك هذه المنشآت فور إسدال الستار على المناسبة، حتى لو لم تتجاوز فعالياتها بضعة أيام، وكان هذا الواقع يثير دائماً قدراً من الحسرة لدى المتتبعين و التساؤلات حول سبب إزالة فضاءات جرى إنشاؤها بميزانيات كبيرة، في مدينة تستقبل تظاهرات متواصلة على مدار السنة وتفتقد، في الآن ذاته، لفضاء قار للمعارض والمناسبات الاقتصادية والثقافية؟
في الأسابيع الأخيرة، حدث الاستثناء الذي جعل السؤال يعود بقوة. فقد جرى الاحتفاظ بالقرية التي أُعدّت لاحتضان أشغال الجمعية العامة للإنتربول بمنطقة باب جديد، ليُعاد توظيفها مباشرة بعد انتهاء الفعاليات في استقبال جماهير كأس إفريقيا، وتحويلها إلى فضاء للمشجعين “Fan Zone” بمواصفات عالمية، حيث ساهم هذا القرار بشكل واضح في إنجاح التظاهرة على مستوى مدينة مراكش، سواء من حيث جودة الاستقبال أو تعدد الخدمات أو التنظيم الآمن والسلس.
وقد اظهرت التجربة وفق ما وقفت عليه “كشـ24” أن إعادة توظيف القرى المؤقتة ليست فقط ممكنة، بل قادرة على تحقيق قيمة مضافة حقيقية للمدينة، فهي تخفّض كلفة إنشاء فضاءات جديدة في كل مرة، وتوفر بنية قارة قابلة للتكيّف مع طبيعة الأنشطة، وتخلق متنفساً دائماً للسكان والزوار على حد سواء، كما يمكن، خارج فترات التظاهرات الكبرى، استغلال هذه المنشآت لاحتضان المعارض الاقتصادية، والفعاليات الثقافية، والأنشطة الرياضية والترفيهية، في انتظار تحويلها مجدداً إلى فضاءات ضخمة عند الحاجة.
والسؤال المطروح اليوم لم يعد هل يمكن الاحتفاظ بهذه القرى؟ بل أصبح: لماذا لا يتم تحويلها إلى رافعة تنموية وثقافية ورياضية دائمة؟ فمراكش، بما تمثله كوجهة عالمية، تحتاج إلى رؤية أكثر استدامة تقوم على تثمين ما يُنجز بدل تفكيكه، وعلى استثمار الميزانيات بطريقة تراكمية تعزز عرض المدينة من البنيات التحتية المخصصة للفعاليات.
و تقدم التجربة الحالية مع فضاء المشجعين خلال كأس إفريقيا وفق ما عاينته كشـ24 تقدم نموذجاً عملياً لهذا النهج، وهو نموذج يستحق أن يتحول إلى سياسة ثابتة، تُدمج في تخطيط التظاهرات الكبرى، وتحوّل “القرى المؤقتة” إلى فضاءات متعددة الاستخدامات، قادرة على خدمة المدينة طوال العام، وتخفيف الضغط المالي على الجماعات والمؤسسات، مع تعزيز صورة مراكش كمدينة جاهزة باستمرار لاستقبال العالم.