مابعد الوهم ..القارة والعرب مراجعة سياسية بلا عواطف وبدائل ممكنة “الحلقة الثانية”


حرر بتاريخ | 01/21/2026 | من طرف كشـ24

الحلقة الثانية من السلسلة التحليلية حول كان 2025 تحت عنوان بقلم “عبدالرزاق بوغنبور “

الإعلام القاري: حين تحوّل من ناقل للحدث إلى صانع للأزمة

إذا كان ما جرى في كأس إفريقيا بالمغرب قد كشف السياسة المؤجَّلة، فإن الإعلام القاري كان الأداة التي سمحت لها بالظهور في أسوأ صورها.
لم يكن شاهدًا محايدًا، ولا ناقلًا أمينًا للوقائع، بل لعب—بدرجات متفاوتة—دور المحرّض غير المعلن، والمبرّر عند الحاجة، والمتنصّل عند انفجار النتائج.
قبل انطلاق البطولة، بدأ كل شيء من اللغة.
لغة مشحونة، إيحائية، تقوم على زرع الشك قبل وقوع الحدث، وتُلقّن الجمهور فكرة جاهزة:
أن الهزيمة غير واردة إلا إذا كانت “مؤامرة”.
بهذا المنطق، لم تُقدَّم كرة القدم كلعبة احتمالات، بل كـمحاكمة مسبقة للمؤسسات.
ومع توالي المباريات، لم يهدأ الخطاب، بل تصاعد.
تحليلات انتقائية، لقطات مجتزأة، وتعليقات تُسقِط النوايا بدل تفسير القرارات.
لم يكن الهدف الفهم أو التوضيح، بل إبقاء منسوب التوتر مرتفعًا، لأن التوتر يصنع متابعة، ويغذّي شعبوية سهلة.
لكن اللحظة الفاصلة كانت المباراة النهائية.
هنا لم يعد الإعلام القاري يكتفي بالتلميح، بل انتقل—صراحة أو مواربة—إلى شرعنة الانفلات.
بدل أن يقف عند حدود التنافس، فتح المجال لتأويلات تُبرّر الخروج عن قواعد اللعبة.
لم تُدان السلوكيات غير الرياضية كما ينبغي، بل جرى تطبيعها لغويًا، وتقديمها باعتبارها “رد فعل مفهوم”، أو “غضبًا مبررًا”، أو “احتجاجًا مشروعًا”.
وهنا يجب التوقف دون أي تلطيف: ما وقع في النهائي لم يكن احتجاجًا، بل سلوكًا غير مقبول، وأي خطاب يخفف من خطورته شريك في نتائجه.
الاحتجاج له آليات.
والغضب له حدود.
والرياضة لها قواعد.
وحين يتجاوز الفاعلون هذه الحدود، فإن دور الإعلام ليس التبرير، بل الإدانة الواضحة.
لكن جزءًا من الإعلام القاري اختار العكس:
اختار الاصطفاف العاطفي، والتواطؤ الصامت، أو التبرير المباشر.
وهنا تظهر المقارنة الفاضحة مع الإعلام الدولي.
بينما كان الإعلام القاري يغذّي خطاب الشك والتأزيم، تعامل الإعلام الدولي مع النهائي ببرود مهني:
ركّز على الوقائع لا النوايا،
ناقش القرارات التحكيمية داخل أطر تقنية واضحة،
أدان السلوكيات الخارجة عن الروح الرياضية دون تردد،
وفصل بوضوح بين المنافسة المشروعة والانفلات المرفوض.
هذا الفرق ليس تفصيلاً، بل فارق ثقافة مؤسسات.
الإعلام الدولي يشتغل بمنطق القواعد،
بينما لا يزال جزء من الإعلام القاري أسير منطق التعبئة والانفعال والاصطفاف.
الأخطر أن هذا الخطاب الإعلامي لم يكن بلا أثر.
الكلمة المشحونة تسبق الفعل.
والتحريض الرمزي يمهّد للفوضى الواقعية.
ما حدث في المدرجات وعلى أرضية الملعب لم يكن معزولًا عمّا سبقته الشاشات.
ومع ذلك، اختار المغرب مرة أخرى طريق الدولة.
لم يفتح جبهة إعلامية.
لم يردّ بالتصعيد.
لم يستعمل منصاته للتشهير أو الضغط.
لكن يجب أن يكون الأمر واضحًا: هذا الصمت ليس قبولًا، بل تسجيل موقف وسيُبنى عليه ما بعده.
الدروس صارمة:
لا يمكن الحديث عن تطوير كرة القدم الإفريقية دون إعلام مسؤول.
ولا يمكن تنظيم تظاهرات كبرى في ظل خطاب يشكك في المؤسسات ثم يبرّئ الفوضى.
ولا يمكن للمغرب، كدولة منظمة، أن يقبل مستقبلاً أن يتحمّل كلفة انفلات إعلامي لا يصنعه.
المطلوب ليس تكميم الأفواه،
بل تحرير الإعلام من الغرائز.
ليس فرض رواية،
بل احترام القواعد.
كأس إفريقيا بالمغرب لم تفضح فقط اختلالات رياضية،
بل كشفت هشاشة منظومة إعلامية لم تحسم بعد خيارها بين المهنية أو التحريض، بين الدولة أو الفوضى.
ومن يختار الفوضى،
لا يحق له الحديث عن القيم،
ولا عن العدالة،
ولا عن تطوير القارة.

يتبع…