الحلقة الرابعة من السلسلة التحليلية حول أحداث كأس إفريقيا للأمم 2025 بقلم عبدالرزاق بوغنبور
الحقد والحسد: حين يتحوّل نجاح المغرب إلى مشكلة للآخرين
ليس كل عداء معلنًا،
ولا كل خصومة تُقال بصوت عال.
أخطر أشكال العداء هو ذاك الذي يتخفّى خلف الصمت، أو الحياد، أو اللغة الملتبسة،
وما كَشَفَته كأس إفريقيا بالمغرب أن جزءًا كبيرًا من التوتر المحيط بالحدث لم يكن رياضيًا، بل نفسيًا وسياسيًا بامتياز.
نجاح المغرب لم يكن المشكلة.
المشكلة كانت في معنى هذا النجاح.
حين ينجح بلد في التنظيم،
في ضبط الأمن،
في احترام المؤسسات،
في تقديم صورة مستقرة في محيط مضطرب،
فإن هذا النجاح لا يُقرأ دائمًا كنموذج،
بل يُستقبل—في بيئات مأزومة—كإدانة صامتة للفشل.
وهنا يبدأ الحسد.
ليس الحسد شعورًا أخلاقيًا فقط،
بل آلية دفاع جماعية.
حين يعجز البعض عن إنتاج النجاح، يعملون على تقزيمه، التشكيك فيه، أو تحويله إلى تهديد.
ما وقع خلال “الكان” كان تجسيدًا حيًا لهذا المنطق.
لم يُناقَش التنظيم المغربي بموضوعية،
بل قُوبِل بريبة غير مبررة.
لم يُحتفَ بالبنية التحتية،
بل جرى التعامل معها كامتياز “غير مستحق”.
ولم يُنظر إلى الانضباط المغربي باعتباره إضافة للقارة،
بل كـخروج عن السرب.
وهنا جوهر الإشكال: المغرب لم يعد يشبه محيطه كما اعتادوا.
لم يعد بلد الأعذار،
ولا بلد الانتظار،
ولا بلد التبرير.
صار بلد التخطيط،
والتنفيذ،
والهدوء الواثق.
وهذا التحول لم يُستوعَب.
في المباراة النهائية، انفجرت هذه المشاعر المكبوتة.
لم تكن لحظة غضب عابرة،
بل لحظة سقوط للأقنعة.
تحوّل التنافس إلى صراع رمزي:
ليس من يفوز بالكأس،
بل من يُسمَح له أن يكون نموذجًا.
والنموذج المغربي—في التنظيم، في الانضباط، في احترام القواعد—كان مستفزًا لمن اعتاد الفوضى وطبّع معها.
من هنا نفهم:
لماذا تم التشكيك بدل التحليل،
لماذا رُفِع منسوب التوتر بدل التهدئة،
ولماذا بُرِّرت السلوكيات غير المقبولة بدل إدانتها.
الحسد لا يصرخ،
بل يهمس… ثم يبرّر.
وليس هذا الحسد إفريقيًا فقط،
بل عربيًا أيضًا.
في جزء من الفضاء العربي، يُنظر إلى المغرب كحالة “غير منضبطة” داخل السردية العامة:
بلد لا ينهار،
لا يصرخ،
لا يتسوّل الاعتراف،
ويمضي في مساره دون استئذان.
هذا النوع من الاستقلال يُربك،
لأنه يطرح سؤالًا صامتًا:
لماذا نجح هو… وفشل غيره؟
وحين يُطرح هذا السؤال، لا يُجاب عنه بالسياسات،
بل بالمشاعر السلبية.
هنا، يصبح النجاح المغربي “استفزازًا”،
ويصبح التقليل منه ضرورة نفسية،
ويصبح الصمت عنه خيارًا مريحًا.
لكن الدول لا تُدار بعقد الآخرين.
المغرب، اليوم، مدعو إلى قراءة هذا الواقع ببرودة أعصاب.
لا ليعادي،
ولا لينعزل،
بل ليُدرك أن النجاح لا يصنع أصدقاء بالضرورة، بل يفرز المواقف.
من يحسدك لن يقول ذلك صراحة،
بل سيطالبك بالمزيد من التواضع،
وبخفض السقف،
وبالعودة إلى “المألوف”.
لكن الدولة التي تفهم موقعها،
لا تعود إلى الوراء لإرضاء محيط لم يهضم تقدمها.
كأس إفريقيا بالمغرب كانت مرآة.
لم تكشف فقط مستوى كرة القدم،
بل كشفت أمراضًا كامنة في الوعي الجمعي المحيط.
والدرس واضح:
النجاح يحتاج حماية،
والنموذج يحتاج وضوحًا،
والكرامة لا تُساوَم من أجل تصفيق زائف.
المغرب ليس مطالبًا بتفسير نجاحه،
ولا بتخفيفه،
ولا بتبريره.
هو مطالب فقط بأن يواصل… بوعي أشد، وحدود أوضح، وذاكرة لا تنسى.
يتبع…