معرض جديد لمتحف إيف سان لوران بمراكش يسلط الضوء على مسار الرحالة أوديت دو بيغودو


حرر بتاريخ | 10/01/2026 | من طرف كشـ24

يحتضن متحف إيف سان لوران بمراكش، في الفترة الممتدة من 3 أكتوبر 2026 إلى 7 مارس 2027، معرضاً جديداً بعنوان «على خطى أوديت دو بيغودو»، يسلط الضوء على مسار هذه الرحّالة والرسامة والصحفية وعالمة الإثنولوجيا التي اختارت المغرب موطناً لها.

ويكشف المعرض، من خلال أكثر من 200 عمل ووثيقة تضم صوراً فوتوغرافية ورسومات ومخطوطات وقطعاً وأرشيفاً صوتياً ومقتطفات من أفلام وثائقية، عن سيرة امرأة حرة ومغامرة ظلّت، رغم غنى تجربتها، مجهولة على نحو غير منصف.

وأوديت دو بويغودو كانت رسامةً للطبيعة، ومصممة أزياء، وبحّارة على متن سفن صيد التونة في بريتاني، وصحفية تكتب باسم مستعار ذكوري في بورصة باريس التي كانت أبوابها موصدة في وجه النساء خلال ثلاثينيات القرن الماضي. ثم قادتها الحياة، ومن دون مدرسة سوى الميدان، لتصبح واحدة من أدق المراقبات لثقافات البدو الرحّل في الصحراء.

ويخصص متحف إيف سان لوران بمراكش (mYSLm) معرضه الجديد لأوديت دو بيغودو (سان نازير، 1894 – الرباط، 1991)، هذه المرأة المغامرة ذات المصير الروائي، التي اختارت المغرب أرضاً لها. ومن خلال أكثر من 200 عمل ووثيقة، تشمل صوراً فوتوغرافية ورسومات ومخطوطات وقطعاً وأرشيفاً صوتياً ومقتطفات من أفلام وثائقية، مصدرها مجموعات متحف بيير بيرجي للفنون الأمازيغية ومؤسسة حديقة ماجوريل ومجموعات خاصة، يخرج المعرض إلى النور سيرة هذه المرأة الحرة التي ظلت، على نحو غير منصف، مجهولة لدى الكثيرين.
حياة تسير عكس التيار

ووُلدت أوديت سنة 1894 بمدينة سان نازير، وهي ابنة الرسام فردينان دو بيغودو، أحد فناني مدرسة بونت-أفين. نشأت قبالة المحيط الأطلسي، في قصر كيرفودو، مبهورة بحركة السفن التي كانت تعبر ذهاباً وإياباً عند مصب نهر اللوار وانتقلت إلى باريس سنة 1920، حيث عاشت أكثر من حياة في آن واحد: رسامة علمية، ومصممة لأزياء المسرح، ومصممة أزياء لدى جان لانفان. لكن البحر ظل يناديها.

وفي سنة 1928، وفي خطوة نادرة بالنسبة إلى امرأة في ذلك الزمن، حصلت على دفترها المهني للملاحة، وصعدت على متن سفن صيد التونة، ووقعت أولى تحقيقاتها الصحفية. وفي سنة 1931، التقت بالصحفية والرسامة ماريون سينون، المولودة باسم مارسيل بورن كروتسبرغر (نويي سور سين، 1886 – الرباط، 1977)، التي ستشاركها، منذ ذلك الحين، كل الطرق والأسفار. وفي 28 نونبر 1933، غادرت المرأتان مدينة دوانارني على متن سفينة لصيد الكركند تحمل اسم «بيل-هيرونديل»، متجهتين إلى موريتانيا، من دون مهمة رسمية، وعلى نفقتهما الخاصة وبمخاطرتهما الشخصية.

وكان ذلك السفر الأول كفيلاً بتغيير كل شيء. فعلى مدى أكثر من خمسة وعشرين عاماً، وحتى سنة 1960، لم تتوقفا عن العودة إلى دروب الصحراء. وفي سنة 1961، استقرت أوديت دو بويغودو وماريون سينون بالرباط، ولم تغادرا المغرب بعد ذلك إلى حين وفاتهما.

ويتتبع المعرض هذه الرحلة عبر ثلاثة فصول زمنية: من سان نازير إلى باريس، 1894-1934؛ في الطريق إلى الصحارى، 1934-1961؛ والرباط، آخر مرفأ للاستقرار 1961-1991.
جغرافيا من الرمل والملح

وامتد مجال رحلات أوديت من الساحل الأطلسي لموريتانيا إلى مكتبات شنقيط، ومن الأزقة ذات اللون الترابي في ولاتة إلى تمبكتو. وكان لجنوب المغرب مكانة خاصة في هذه الجغرافيا الواسعة، من تزنيت التي أقامت بها منذ سنة 1937، إلى وادي تمنارت وفم الحصن، حيث وثّقت بصبر نقوشهما الصخرية.

وقطعت آلاف الكيلومترات على ظهر الجمال، إلى أن رافقت، خلال شتاء سنة 1937، قافلة «الأزلاي»، وهي قافلة تضم آلاف الدواب وتربط مرتين في السنة بين تمبكتو ومناجم الملح في تاودني، في رحلة تستغرق عشرين يوماً عبر امتدادات شاسعة تخلو من الماء والمراعي.

وفي المجموع، قضت أوديت دو بيغودو خمس سنوات منغمسة بشكل كامل وسط المجتمعات البدوية. عاشت تفاصيل حياتهم اليومية ودوّنت كل شيء: الخيمة المصنوعة من الصوف الأسود والبني، وهي فضاء الزوجة، والتي سيجدها زوار المعرض منصوبة في قلب المسار؛ والسروج والصناديق؛ والحلي الفضية؛ والدمى الطينية في ولاتة؛ وتسريحات النساء التي كانت تعتبرها “تحفة نساء الصحراء”.
وتشكل الرسومات والدفاتر والصور الفوتوغرافية أرشيفاً نادراً يتميز بدقة كبيرة، يوثق ثقافة مادية مبتكرة ومتكيّفة بشكل مثالي مع البيئة الصحراوية.

وقد كشفت مؤلفاتها، «حافية القدمين عبر موريتانيا» (1936)، و«المعرض الكبير للتمور» (1937)، و«ملح الصحراء» (1940)، هذا العالم أمام الجمهور الواسع، فيما أكسبتها جودة أعمالها اعتراف علماء الصحراء في عصرها. وقد تركت وراءها ثمانية كتب، وعدداً لا يحصى من المقالات، ومؤلفاً في علم الإثنولوجيا مخصصاً للشعب الموريتاني.

وفي سنة 1961، حطّت أوديت دو بيغودو وماريون سينون رحالهما نهائياً بالرباط. ولم يعد المغرب مجرد أرض للاستكشاف، بل أصبح موطنهما.

وعلى مدى ثلاثين عاماً، واصلت أوديت، التي أصبحت عالمة إثنولوجيا، نشاطها الدؤوب، من خلال تقديم برامج ثقافية بالإذاعة المغربية، والعمل في مجال التوثيق، ثم تولي إدارة مكتب ما قبل التاريخ بمتحف الآثار بالرباط، خلال الفترة الممتدة من 1970 إلى 1977.

وفي سنة 1964، استعان بها مولاي أحمد العلوي، وزير الإعلام والسياحة والصناعة التقليدية والفنون الجميلة، للإعداد لزيارة أندريه مالرو، وزير الثقافة الفرنسي، إلى وادي تمنارت، أحد أبرز مواقع الفن الصخري، الذي كانت تستكشفه منذ سنة 1937. وكانت قد أحصت هناك 114 نقشاً صخرياً، قبل أن تضيف إليها ستة أشكال غير مسبوقة عشية الزيارة. وفي الرباط، أنجزت أخيراً عملها الذي اعتبرته نصبها، «فنون وعادات البيضان»، وهو حصيلة ثلاثين عاماً من الملاحظة، نُشر في البداية في المجلة المغربية “هسبيريس-تمودا”.

وتوفيت ماريون سينون بالرباط سنة 1977، فيما رحلت أوديت دو بيغودو سنة 1991. وكانت تعجب لدى الرحّل بـ«ذلك التحرر الشامخ من الممتلكات المادية الذي يصنع الرجال الأحرار»، وهو مبدأ جعلته قاعدة لحياتها الخاصة.
المعرض

ويُعد معرض “على خطى أوديت دو بويغودو” أول معرض يُخصص لهذه المغامرة في المغرب، البلد الذي اختارته وأصبح وطنها ولم تغادره بعد ذلك. ويندرج المعرض ضمن مسار لإعادة اكتشاف إرثها بدأ بالفعل في المغرب، إذ تم تكريمها سنة 2018 بالرباط من طرف مركز الدراسات الصحراوية بجامعة محمد الخامس والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، بالمكتبة الوطنية للمملكة المغربية، احتفاءً بارتباطها العميق بالمغرب وثقافات البدو الرحّل.

ويتولى الإشراف المشترك على المعرض كل من حياة مشاش، المسؤولة عن مجموعات متحف بيير بيرجي للفنون الأمازيغية ومتحف إيف سان لوران بمراكش، ومونيك فيريتي، كاتبة السيرة الوحيدة المخصصة لأوديت دو بيغودو. أما التصميم السينوغرافي فيحمل توقيع جاسمين أوزجبي، المهندسة المعمارية ومصممة السينوغرافيا بمركز بومبيدو، التي سبق لها أن أنجزت سينوغرافيا معرضي «بيرت فلينت» و«مغرب تيوفيل-جان دولاي» بمتحف إيف سان لوران بمراكش.

ويضم المعرض أكثر من 200 قطعة ووثيقة تمتد من ثلاثينيات القرن الماضي إلى يومنا هذا، مصدرها مجموعات متحف بيير بيرجي للفنون الأمازيغية ومؤسسة حديقة ماجوريل ومجموعات خاصة، من بينها العديد من الرسومات والألوان المائية والألواح الأصلية التي أنجزتها الرحالتان. كما تعزز التجربة الغامرة أرشيفات إذاعية يمكن الاستماع إليها على امتداد مسار المعرض، إلى جانب مقتطفات من أفلام وثائقية، من بينها شهادة لعالم الطبيعة تيودور مونو (روان، 1902 – فرساي، 2000)، وأغنية كتبها شعراء الغربوت خصيصاً لأوديت.

وبعد معرضي «بيرت فلينت (1931-2022)» و«مغرب تيوفيل-جان دولاي (1896-1970)»، يواصل المتحف استكشافه لشهادات الشخصيات البارزة في تاريخ وجغرافية وأنثروبولوجيا المغرب والصحراء خلال القرن العشرين.