هل من الممكن أن نتفق جميعا على الثقة؟


حرر بتاريخ | 03/06/2022 | من طرف ادريس الاندلسي

سؤال طوباوي حتى النخاع و هذا من البديهيات المسترسلة. لا أومن بالدكتاتور سواء كان متنورا أو لم يكن. أتمنى أن يصبح هذا الشعب الذي هو عرضي و شرفي و انتماءي و طفولتي و كهولتي و… طريقي إلى تحقيق كل الأماني.

أعرف أنني انتمي إلى جنس الحالمين بكل شيء و الحالمون حملوا على اكتافهم كل الثورات و كل النجاحات وبعض منهم تسبب في الكثير من الانتكاسات. الديمقراطية و الحرية و حقوق الإنسان و غيرها كانت ، رغم كل شيء، حلم الحالمين بشيء أحسن. لكنها وجدت مكانا تحت الشمس و زحفا دام عشرات السنين و تمت ترجمتها في بعض الدول الى حقيقة مؤسساتية و سلوك بشري.

وكثيرة هي الدول الغربية و المؤسسات الدولية و الجهوية حولت المبادىء إلى سلع و قاعات المؤتمرات إلى أسواق للمؤامرات. تم تدمير بلدان بإسم حقوق الإنسان و قداسة الديمقراطية من طرف دول لم تكن تقصد في الأصل سوى إنتاج خطاب يحمى اقتصاداتها و يشرعن حروبها من أجل الغاز و البترول و الصفقات الكبرى. و إنتبه بعض المطبلين بقيم الغرب إلى قواعد اللعبة و حقيقتها بعدما ” طاح الفاس فالراس”.

ولمن قد لا يقدر آثار سلاح الخطاب و روافده الداعمة له على إشاعة روح الفوضى التي تمت تسميتها بالخلاقة من طرف ” سماحة الغرب” ،وجب التذكير بأن الكثير من الجمعيات غير الحكومية ذات التمويل الرسمي و الرسالة السياسية تستقطب بسهولة كبيرة اطرا و مفكرين و حتى بعض المناضلين في الكثير من البلدان و تغدق عليهم لكي يقولوا الشيء و نقيضه. وقد يصل الأمر إلى جعلهم يكتبون تقارير و ليست ابحاثا في عدة مجالات. وقد يصل الأمر ببعضهم إلى مواقف عدمية تنكر أي مجهود بذل باخلاص من طرف بني وطنهم في إطار عمل إداري أو سياسي أو اقتصادي و مالي. الغرب يقدس مصالحه و لو تطلب الأمر عقد سلم مع الشيطان أو شن حرب على الإنسان في كل مكان. وهذا لا يمكن أن يغطي كلية على اشراقاته في مجالات أخرى أو وضع كل غربي في زمرة المستعمرين و مدعي التفوق على الآخر.

لدينا و ما سبق لا يعني أن ممارسات الحكومة المسؤولين بصفة عامة تتنزه عن الخطأ و لا تخدم مصالح اقلية و تحميها. الحكامة وصلت إلى درجات من العبث و أصبح الاغتناء غير المشروع واقعا و أصحابه يستفيدون من الزاوية ” الصفر” في غياب قانون و مساطر واضحة و رادعة و لكنها تحمي من التوظيف السياسي و الإداري للمحاسبة التي ركز عليها الدستور و جعلها وسيلة لمعاقبة كل من استغل المسؤولية الموكلة إليه لخدمة وضعه المالى ووضع أقرباءه.

المشكل الحقيقي الذي نعيشه قد يكون ذا طابع نفسي و قد يؤكد ما قاله وزير صحة سابق عن نسبة كبيرة، لمن قد يكونوا مصابين بأمراض نفسية، من بين مواطنينا. و كانت له الشجاعة لقول أن هذه النسبة لا تستثني المؤسسة البرلمانية. ولعل ما يقع من صياح و صراخ و ارتباك في البرلمان و الذي يراه المغاربة مباشرة عبر التلفزيون يشكل نوعا من تجليات هذه الحالة “المرضية”.

الطبقة السياسية تعطينا درسا في مجال ضبط معايير قراءة واقعنا. الفرقاء أصدقاء و حدة النقاش لا تفسد لودهم قضية و كثير منهم يفضلون العناق على الشقاق حين يغلق الستارعلى خشبة مسرحهم. المشهد سوريالي و لكنه في العمق يعكس واقع الحال. تفاجأ ” جون واتربوري ” صاحب كتاب ” أمير المؤمنين ” بصلابة العلاقات العائلية بين من يتخيل إلينا أنهم أعداءا في ملعب السياسة.

و لنعد إلى ما يجب أن يجمعنا في واقع قال في شأنه تقرير لجنة النموذج التنموي أنه معقد مؤسساتيا و ضعيف قطاعيا و محتاج إلى جرعة كبيرة في مجال إصلاح الحكامة و إعطاء الأولوية للصحة و التربية. ما يجمعنا وطن و تاريخ و رغبة في العيش المشترك. لكل هذا أصبح من الواجب علينا أن لا ننسى أن اتساع رقعة الفقر و زيادة الفوارق الإجتماعية و المجالية قد تفسد الكثير من مظاهر اللحمة الوطنية. خلال أزمة الكوفيد و إلى اليوم، قليل من أصحاب الثروات تراجعت ثرواتهم و كثير من أصحاب الدخل المحدود تدحرجوا إلى عالم الهشاشة. لكل هذا أصبح الإختيار الاستراتيجي هو المحافظة على ثقة المواطنين. لا تقل لفقير أن يصبر و غيره يتبختر في بحبوحة عيش تزداد شراهة.

و للرمز فقط، نرى كم هي كثيرة مظاهر البذخ خلال الفترة الأخيرة و التي لا تراعى شعورمحروم و من يعاني من آثار أزمة صحية سياسية عالميا و مهددة مستقبل العالم. الأعراس و الحفلات التي تنقلها بكثافة وسائل الإعلام الإجتماعية مستفزة . اللحظة صعبة بكل المقاييس و تتطلب توجيه رسالة واضحة للوطن و المواطنين. لقد قالها ملك البلاد بكل قوة: ” أين هي الثروة ” و هذا سؤال يحث من راكم ثروات دون خلق مناصب شغل على أن ينضم إلى روح الوطن و تأكيد مواطنته بالفعل لا بالكلام المعسول والفعل الكسول.

مستقبل المغرب هو مسؤولية الجميع لإنتاج لغة جديدة تتجاوز الانتهازية السياسية و الرغبة الجامحة في القرب من مصدر القرار لتنصب على مصلحة المغرب و مواطنيه. التضامن لا معنى له إذا لم تتم ترجمة الخطابات إلى تنزيل العدالة الإجتماعية على أرض الواقع. المواطن يحب وطنه و يريد مدرسة تثقف و تربي و مستشفى للجميع و محكمة تنصفه و تجعله أكثر حبا في انتماءه و مقاولة لا تجهز على حقوقه و ضريبة يتحملها كل حسب قدراته.

فلنختلف في الاختيارات و لنتحد من أجل تحصين اقتصادنا و عدالتنا ومدرستنا و قوة مؤسساتنا و زيادة قوة ثقة المواطن. إنها طوباوية، لكنها تعكس حقيقة ضرورة تأمين المصير المشترك في محيط صعب يذكي نار الصراع و قد يرجع الحكماء إلى مراكز القرار و المقاولين إلى مقاولاتهم و الشباب إلى عدم فقدان الثقة. و العبرة كل العبرة في النتائج لأن الثروة موجودة بين ايدي اقلية.