تطبيق برنامج «كفاءة» يُعيد إحياء نقاش قديم حول حدود المهنة، ثمة إغراء حقيقي في فكرة الاعتراف بأن ما تعلمه دروب الحياة أفضل مما تعلّمه قاعات الدرس. فالرجل الذي أمضى عشرين عاماً يرافق المجموعات في أزقة فاس أو دروب مراكش يعرف أشياء لا تُكتسب من الكتب وحدها. إذ أنه يعرف نبض المكان ومزاج الزائر والكلمة التي تُبدّد التوتر حين تضيق الأمور. وسيكون من الظلم التظاهر بعكس ذلك.
على هذه الفكرة يقوم برنامج «كفاءة»، المصمَّم للاعتراف بالكفاءات المكتسبة خارج المسارات الأكاديمية التقليدية. غير أن تطبيق هذا المبدأ على مهنة الإرشاد السياحي يعيد طرح سؤال جوهري: من هو المرشد السياحي فعلاً؟ وما الذي يُخوِّل شخصاً ما حمل هذا اللقب؟
فالقطاع السياحي المغربي يضم مهنًا عديدة تتقاطع يومياً مع السائح؛ من سائق سيارة الأجرة، إلى بائع الصناعة التقليدية، وموظف الاستقبال، والمرافق السياحي. وجميع هؤلاء قد يراكمون خبرة حقيقية وفهماً عميقاً لخصوصيات السوق السياحي.
لكن هذه الخبرة، على أهميتها، تختلف عن الخبرة التي يتطلبها الإرشاد السياحي باعتباره مهنة منظمة قانوناً. فالمرشد السياحي ليس مجرد شخص يعرف المدينة أو يحتك بالزوار، بل هو مهني متخصص يفسر التراث، ويؤطر المجموعات، وينقل المعرفة التاريخية والحضارية وفق ضوابط مهنية وقانونية وأخلاقية محددة.
وليست هذه الإشكالية جديدة. فقد عرف المغرب خلال سنتي 2018 و2023 عمليات إدماج استندت إلى مفهوم «التجربة الميدانية» لتسوية وضعية ممارسين راكموا خبراتهم خارج المسار الرسمي للتكوين دون الخوض في آليات تنزيل هذا القرار خلال الفترتين السابقتين. ومنذ ذلك الحين ظل السؤال مطروحاً: هل المقصود بالتجربة الميدانية كل نشاط داخل المنظومة السياحية، أم فقط الممارسة الفعلية لمهام الإرشاد السياحي؟
وتقدم التجربة الفرنسية في مجال التحقق من المكتسبات المهنية (VAE) مثالاً لافتاً في هذا المجال. فالمعيار هناك لا يتمثل في عدد سنوات العمل داخل القطاع، بل في طبيعة المهام التي مارسها المرشح ومدى ارتباطها بالمهنة المستهدفة. فالسؤال ليس: «هل سبق للمرشح اناشتغل في السياحة؟» بل: «هل مارس فعلاً مهام المرشد السياحي؟»
وهنا يكمن جوهر النقاش. فتماماً كما أن العمل داخل مستشفى لا يجعل من جميع العاملين فيه أطباء، فإن الاحتكاك اليومي بالسياح لا يجعل تلقائياً من كل من يعمل في محيط النشاط السياحي مرشداً سياحياً.
فالاعتراف بالخبرة الميدانية مطلب مشروع، لكن حماية مهنة منظمة قانوناً تقتضي أن يكون هذا الاعتراف قائماً على ممارسة فعلية لمهام الإرشاد نفسها، لا على مجرد التواجد داخل المنظومة السياحية.
فمن دون معايير واضحة وقابلة للتحقق، يصبح من الصعب التمييز بين الخبرة السياحية العامة والخبرة المهنية المتخصصة. وعندها قد تختلط الحدود بين المهن المختلفة داخل القطاع، بما قد ينعكس على جودة الخدمات المقدمة للزوار وعلى مكانة مهنة الإرشاد السياحي نفسها.
إن جودة الخدمة السياحية وصورة المغرب كوجهة سياحية مرتبطة، في نهاية المطاف، بإجابة واضحة عن سؤال واحد: ما الذي يجعل من شخص ما مرشدا سياحيا حقيقيا؟

