أكدت الأخصائية في علم النفس الاجتماعي، بشرى المرابطي، أن الأزمات والكوارث الطبيعية، من قبيل الفيضانات والزلازل والأوبئة، تشكل لحظات كاشفة للبنية النفسية والاجتماعية للمجتمعات، حيث يُسجل خلالها ارتفاع ملحوظ في مستويات التضامن والتعاون بين الأفراد، حتى بين فئات لا تجمعها روابط مباشرة في الظروف العادية.
وأوضحت المرابطي، ضمن تصريحها لموقع كشـ24، أن هذا السلوك لا يمكن اختزاله في كونه استجابة عاطفية آنية أو اندفاعا أخلاقيا مجردا، بل هو نتاج تفاعلات معقدة بين الهوية الاجتماعية، والمعنى، والانفعال الذاتي، والأعراف، وشبكة العلاقات الاجتماعية التي تؤطر بنية المجتمع.
ومن منظور علم النفس الاجتماعي، تضيف المتحدثة، تشكل الكارثة تهديدا مباشرا ليس فقط للحياة المادية للأفراد، وإنما أيضا لاستمرارية الجماعة وهويتها، ففي السياقات العادية، ينتمي الفرد إلى هويات فرعية متعددة، كالهويات المهنية أو الطبقية أو الجهوية، غير أن الأزمات تعمل على إعادة تنظيم هذه الانتماءات عبر تفعيل هوية أوسع وأكثر شمولا، مثل نحن أبناء المنطقة، أو سكان جهة معينة، أو المغاربة المتضررون.
ويؤدي هذا التحول في مستوى التعريف الذاتي، بحسب المرابطي، إلى جعل مساعدة الآخرين امتدادا لمساعدة الذات، وحماية الجماعة شرطا لحماية الفرد، ليغدو التضامن سلوكا دفاعيا جماعيا أكثر منه فعلا إحسانيا فرديا، وبهذا المعنى، يصبح التضامن آلية نفسية للحفاظ على تماسك الهوية الجماعية في مواجهة مخاطر التفكك.
وأشارت الأخصائية في علم النفس الاجتماعي إلى أن الكوارث غالبا ما تؤدي إلى انهيار جزئي أو كلي للنظام الاجتماعي الاعتيادي، نتيجة تعطل المؤسسات وغياب بعض الخدمات وارتباك السلطة، وهو ما يخلق فراغا معياريا وأخلاقيا، وفي هذا السياق، يتدخل المواطن، مدفوعا بالهوية الجماعية، لملء هذا الفراغ وإعادة تعريف ما هو مقبول وما هو مرفوض اجتماعيا وأخلاقيا.
كما أبرزت المرابطي أن الأزمات تنتج حالة من التقارب الوجداني القسري، حيث يتقاسم الأفراد مشاعر الخوف والفقد وعدم اليقين، وهو ما يضعف المسافة النفسية بين الذات والآخر، ويعزز شكلا من التعاطف القائم على التشابه وتقاسم المعاناة، وليس على الشفقة.
وأضافت مصرحتنا أن الكوارث، حين تُحدث صدمة نفسية جماعية تتمثل في فقدان الإحساس بالأمان والسيطرة، فإن السلوك التضامني يظهر كآلية جماعية لتنظيم الانفعالات، تهدف إلى خفض مستويات القلق والخوف، واستعادة الإحساس بالفاعلية، ومقاومة مشاعر العجز واللاجدوى، فمساعدة الآخرين، في هذا السياق، تمنح الفرد شعورا بكونه فاعلا لا ضحية، وتعيد بناء صورة الذات القادرة على التأثير في واقع اجتماعي مضطرب.
وفي السياق ذاته، أكدت المرابطي أن الأبحاث العلمية تشير إلى أن شدة التضامن تختلف من مجتمع إلى آخر تبعا لمستوى رأس المال الاجتماعي، وعلى المستوى المغربي، سواء فيما عرفته بعض المناطق مؤخرا أو خلال زلزال الحوز، فإن رأس المال الاجتماعي يُعد قويا ومتجذرا، ومؤسسا على منطق التضامن الجماعي، سواء على أساس الانتماء المحلي أو الوطني، أو حتى الديني، حيث ينظر إلى السلوك التضامني باعتباره امتدادا لقيم أخروية وأخلاقية.
وختمت المتحدثة ذاتها بالتأكيد على أن تصور الفرد لاحتمال تعرضه شخصيا لمثل هذه الكوارث، وتخيله لكيفية تعامل الآخرين معه، يدفعه بدوره إلى تبني سلوك التضامن والتعاون، واعتبرت أن قوة هذا الرأسمال الاجتماعي في المغرب، مقارنة بمجتمعات أخرى، كانت محل إشادة حتى على المستوى الدولي، كما ظهر في بعض التعليقات الأجنبية التي قارنت بين حجم التضامن المغربي مع ضحايا زلزال الحوز وما يمكن أن يحدث في سياقات مجتمعية أخرى.

