تطرح الطفرة العمرانية والديمغرافية والاقتصادية التي تشهدها مراكش الكبرى تحديات جسيمة على مستوى البنية التحتية وحركة السير، مما يجعل التفكير في منظومة تنقل حديثة أمراً بالغ الأهمية.
وفي هذا السياق، يأتي إعداد المخطط المستدام للتنقلات الحضرية كمحطة فارقة تعتمد مقاربة شمولية ومندمجة تروم تحسين ظروف التنقل، وتعزيز التكامل بين مختلف الوسائل، وتشجيع الأنماط المستدامة.
غير أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم بين الساكنة والفاعلين: هل تشكل خطوة التشخيص الميداني المنطلق الفعلي الكفيل بوضع حد لمعضلة الاختناق المروري الشديد واستعادة انسيابية حركة السير بشوارع المدينة؟
وتكتسي المرحلة الأولى المخصصة للتشخيص وفق المعطيات التي حصل عليها كشـ24، أهمية محورية وأساسية في هذا المخطط، إذ تُشكل القاعدة الصلبة التي ستُبنى عليها كافة الرؤى والاختيارات الاستراتيجية المستقبلية.
فقبل الانتقال إلى صياغة الحلول وتحديد طبيعة المشاريع الهيكلية، تبرز الحاجة الملحة لتكوين معرفة دقيقة وشاملة بواقع التنقلات اليومية، وفهم الاحتياجات الفعلية لمستعملي الطريق، ورصد مختلف الإكراهات التي تجابه الساكنة والزوار على حد سواء.
ولترجمة هذه الرؤية على أرض الواقع، يعتمد المخطط على برنامج متكامل وواسع من الدراسات والأبحاث الميدانية، يمتد من شهر أكتوبر إلى غاية دجنبر 2026.
ويشمل هذا البرنامج وفق ما وقفت عليه كشـ24، إجراء أبحاث ميدانية مستفيضة تستهدف 5000 أسرة للوقوف على عادات التنقل اليومية، وأسباب الرحلات ووجهاتها الرئيسية، ونوعية الوسائل المستعملة ومدى ملاءمتها للحاجيات.
وتتكامل هذه الخطوة مع إنجاز أكثر من 10 آلاف بحث حول منشأ ووجهة التنقلات، يُجرى تنشيطها ميدانياً على متن حافلات النقل الحضري، وبمحطات سيارات الأجرة الكبيرة، والمحطات السككية والطرقية، ومطار مراكش المنارة، إضافة إلى المداخل الرئيسية لمراكش الكبرى، بهدف تحليل تدفقات الحركة والروابط بين مختلف المجالات الترابية.
وعلى المستوى التقني، تتضمن هذه المرحلة وفق المصادر ذاتها، تنفيذ عمليات دقيقة لعد المركبات عبر 62 نقطة للرصد والقياس لتحديد أحجام التدفقات المرورية بدقة، بالتوازي مع إعداد تشخيصات موضوعاتية متخصصة تقيم التطور الديمغرافي والعمراني، والبيئة، والولوجية والسلامة الطرقية، وضوابط السير والوقوف، وحالة النقل الجماعي، إضافة إلى واقع المشي وركوب الدراجات والتكامل بين مختلف الوسائل.
ولا تقف هذه العملية عند حدود جمع البيانات، بل تمتد لتعتمد مقاربة تشاركية موسعة تشمل إطلاق مجموعات عمل وإجراء مقابلات مع الفاعلين المؤسساتيين، والاقتصاديين، والمهنيين، وممثلي المجتمع المدني لإغناء التفكير وتحديد الأولويات المشتركة.
ويبقى نجاح هذا الرهان مرهوناً بالتفاعل الإيجابي والمواطن لساكنة مراكش الكبرى مع فرق البحث الميداني؛ فالاستبيانات المطروحة ليست مجرد أرقام إحصائية صماء، بل هي أداة لنقل المعاناة اليومية والصعوبات الميدانية وتجسيد انتظارات المواطنين وتطلعاتهم.
ويعتبر الاستناد على الانتقال من التخمينات العامة إلى تشخيص موضوعي علمي إلى معطيات دقيقة ، خطوة حاسمة لاستشراف الطلب المستقبلي، وإرساء سيناريوهات عمل منسجمة تضع جودة الحياة وإنسانية المجال في قلب التخطيط، أملاً في إنهاء أزمة المرور وتحقيق انسيابية دائمة تجعل من مراكش نموذجاً للمدينة المستدامة.

