تحذيرات من تداعيات الذكاء الاصطناعي على وظائف التعهيد بالمغرب


حرر بتاريخ | 09/06/2026 | من طرف كشـ24

دقت نقابة تمثل العاملين في قطاع التعهيد والأوفشورينغ بالمغرب ناقوس الخطر بشأن مستقبل آلاف مناصب الشغل، في ظل التسارع المتزايد لاعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، إلى جانب القيود التنظيمية الجديدة التي بدأت تؤثر على أسواق خارجية رئيسية.

ووجهت الجامعة الوطنية لمراكز النداء ومهن الأوفشورينغ، التابعة للاتحاد المغربي للشغل، رسالة إلى الحكومة دعت فيها إلى اتخاذ إجراءات استباقية لمواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع، وحماية العاملين من تداعياتها المحتملة.

واعتبرت النقابة أن قطاع التعهيد يمر بمرحلة مفصلية، تجمع بين التحولات التكنولوجية السريعة والتغيرات القانونية في الأسواق الخارجية، محذرة من أن عدم الاستعداد لهذه المتغيرات قد يهدد عددا كبيرا من الوظائف.

وقال أيوب سعود، رئيس الجامعة الوطنية لمراكز النداء ومهن الأوفشورينغ، إن تأثير الذكاء الاصطناعي لن يقتصر على طبيعة الوظائف داخل القطاع، بل سيمتد إلى سوق الشغل بشكل عام، مؤكدا أن النقابة لا تعارض التطور التكنولوجي، وإنما تدعو إلى مواكبته بطريقة تضمن انتقالا عادلا يحفظ مصالح العاملين ويتيح للقطاع الاستفادة من الفرص التي توفرها التكنولوجيا.

ويشكل قطاع التعهيد أحد المجالات المهمة في سوق الشغل بالمغرب، إذ بلغ عدد العاملين فيه أزيد من 148 ألفا و500 شخص مع نهاية السنة الماضية، بعدما وفر أكثر من 18 ألفا و500 منصب شغل إضافي منذ سنة 2022، وفق معطيات صادرة عن وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة.

وترى النقابة أن التحدي المطروح لا يتعلق فقط بالحفاظ على الوظائف الحالية، بل يمتد إلى إعداد العاملين للمهن الجديدة التي يفرضها التحول الرقمي، وتوجيه القطاع نحو أنشطة ذات قيمة مضافة أكبر.

وفي هذا الإطار، دعت إلى إطلاق برنامج وطني لإعادة تأهيل وتكوين العاملين قبل اللجوء إلى أي عمليات تسريح مرتبطة بالأتمتة أو الذكاء الاصطناعي، إلى جانب اعتماد شهادات مهنية معترف بها تتيح الانتقال إلى وظائف رقمية جديدة.

كما طالبت بربط الامتيازات والدعم العمومي الممنوح للشركات العاملة في القطاع بالتزامات واضحة تتعلق بالحفاظ على مناصب الشغل، وتكوين العاملين، وتحسين ظروف العمل.

ولا يواجه قطاع التعهيد بالمغرب تحدي الذكاء الاصطناعي وحده، إذ يثير قانون فرنسي جديد مخاوف إضافية بشأن مستقبل آلاف العاملين، بالنظر إلى الأهمية الكبيرة التي تحتلها السوق الفرنسية بالنسبة للقطاع المغربي.

وكان وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، قد كشف في مارس الماضي أن نحو 50 ألف منصب شغل في القطاع قد يكون مهددا بسبب قانون فرنسي جديد يفرض قيودا على التسويق الهاتفي والاتصالات غير المطلوبة، والذي دخل حيز التنفيذ خلال غشت 2026.

وتستحوذ السوق الفرنسية على نحو 80 في المائة من نشاط قطاع التعهيد بالمغرب، إلى جانب أسواق أخرى تشمل كندا وإسبانيا وبلجيكا، ما يجعل القطاع شديد الارتباط بالتطورات التشريعية والاقتصادية في الخارج.

ودعا ممثلو العاملين إلى تنويع الأسواق المستهدفة، خصوصا عبر التوسع في الأسواق الناطقة باللغة الإنجليزية، إلى جانب تعزيز حضور خدمات التعهيد داخل السوق المغربية، التي لا تزال مساهمتها محدودة مقارنة بالأسواق الخارجية.

ويواجه المغرب، في المقابل، منافسة متزايدة من دول أخرى في مجال الخدمات الناطقة بالفرنسية، من بينها تونس وعدد من دول إفريقيا جنوب الصحراء ومدغشقر، فضلا عن مصر التي باتت تنافس بقوة في قطاع الخدمات والتعهيد.

ورغم هذه التحديات، يواصل القطاع تسجيل مؤشرات نمو مهمة، إذ بلغت صادرات الخدمات المرتبطة به نحو 3 مليارات دولار خلال سنة 2025، بمعدل نمو سنوي متوسط وصل إلى 16 في المائة خلال السنوات الخمس الأخيرة، بينما يضم أكثر من 1200 شركة مغربية ودولية.

ولمواجهة التحولات المقبلة، اقترحت النقابة إشراك المرصد الوطني لسوق الشغل في تتبع تأثير الذكاء الاصطناعي والأتمتة على الوظائف، من خلال رصد المهن المهددة والمهارات المطلوبة واحتياجات التكوين، بهدف الاستعداد المبكر للتغيرات المرتقبة.

كما دعت إلى فتح نقاش جديد حول مستقبل برنامج الأوفشورينغ في أفق سنة 2030، مع توجيه الاستثمارات نحو مجالات أكثر تطورا، تشمل التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي والخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة.

وكانت الحكومة قد أعلنت عن برنامج لتطوير القطاع يهدف إلى رفع قيمة صادراته إلى أكثر من 4 مليارات دولار في أفق نهاية العقد الجاري، إلى جانب إحداث نحو 130 ألف منصب شغل إضافي.

ويرتكز البرنامج على تقديم حوافز ضريبية للشركات العاملة في مناطق خاصة، مقابل تشجيع الاستثمار والتوظيف في خمسة مجالات رئيسية، تشمل خدمات تكنولوجيا المعلومات، وعلاقات العملاء، وتعهيد العمليات التجارية، والهندسة والبحث والتطوير، وخدمات المعرفة والتحليلات.

وبين فرص النمو التي يوفرها التطور الرقمي والمخاوف المرتبطة بتراجع بعض الوظائف التقليدية، يجد قطاع التعهيد المغربي نفسه أمام مرحلة تحول حاسمة، سيكون الرهان خلالها على قدرته على التأقلم مع الذكاء الاصطناعي، وتنويع أسواقه، وتأهيل موارده البشرية لمهن المستقبل.

المصدر: بلومبرغ