اختفاء 150 ألف مقاولة في ثلاث سنوات


حرر بتاريخ | 03/30/2026 | من طرف كشـ24

يكشف تقرير حديث صادر في مارس 2026 عن الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة عن مؤشرات مقلقة بشأن وضعية هذا الصنف من المقاولات، مسلطا الضوء على أزمة بنيوية تمس عمق النسيج الاقتصادي الوطني.

فالإشكال، بحسب التقرير، لم يعد مرتبطا بتحفيز إحداث المقاولات، بل بضعف قدرتها على الصمود في بيئة توصف بغير الداعمة، تتداخل فيها معيقات التمويل والرقمنة والولوج إلى الأسواق مع اختلالات على مستوى الإطار المؤسساتي.

ووفق المعطيات الواردة، اختفى نحو 150 ألف مقاولة بين سنتي 2022 و2025، 99 في المائة منها مقاولات صغيرة جدا، في منحى تصاعدي يعكس تسارع وتيرة الإفلاس؛ إذ ارتفع عدد الحالات من 25 ألفا سنة 2022 إلى 52 ألفا سنة 2025، بما يعادل عمليا إفلاس مقاولة كل عشر دقائق تقريبا.

كما تشير الأرقام إلى أن 70 في المائة من المقاولات الصغيرة جدا لا تتجاوز مدة بقائها ثلاث إلى خمس سنوات، ما يعزز الطرح القائل إن التحدي الحقيقي لا يكمن في خلق المقاولات، بل في ضمان استمراريتها واستدامة مساهمتها في الدورة الاقتصادية.

ورغم أن هذه الفئة تمثل 97 في المائة من مجموع المقاولات بالمغرب، فإنها لا تستفيد إلا بشكل محدود من قنوات التمويل، إذ تقل نسبة ولوجها إلى القروض البنكية عن 5 في المائة. وتبقى الغالبية خارج منظومة المواكبة والدعم الكلاسيكي، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى انسجام السياسات العمومية مع طبيعة النسيج المقاولاتي الوطني وخصوصياته.

ويرصد التقرير أيضا مفارقة رقمية واضحة؛ فعلى الرغم من اتصال 97 في المائة من هذه المقاولات بالإنترنت، فإن 80 في المائة منها تفتقر إلى حضور رقمي فعلي، ما يدل على ضعف تحويل الإمكانات التكنولوجية المتاحة إلى أدوات إنتاج وتسويق، ويبرز فجوة بين الولوج الرقمي والاستثمار الاقتصادي فيه.

وعلى مستوى الاندماج في الأسواق، لا تتجاوز نسبة المقاولات الصغيرة جدا التي تتعامل مع مقاولات كبرى 15 في المائة، فيما تعاني أكثر من نصفها من تأخيرات في الأداء تفوق 90 يوما، وهو ما ينعكس سلبا على السيولة ويشكل أحد العوامل الرئيسية المؤدية إلى تعثرها أو توقفها.

أما بخصوص الصفقات العمومية، فيشير التقرير إلى هوة بين المقتضيات القانونية والتطبيق العملي؛ إذ يفترض أن تحظى هذه المقاولات بنسبة 20 في المائة من الطلب العمومي، غير أن حصتها الفعلية لا تتعدى 10 في المائة، ما يمثل خسارة سنوية تقدر بنحو 30 مليار درهم، نتيجة شروط إدارية ومالية تعتبر غير ملائمة لقدراتها.

ويضع التقرير هذه الاختلالات ضمن ما يسميه بـ”الحلقة المفرغة للفشل”، حيث يؤدي ضعف الولوج إلى التمويل إلى دفع عدد من المقاولات نحو القطاع غير المهيكل، الذي يضم حوالي 41 في المائة منها، قبل أن يتسبب ذلك في تعميق تأخرها الرقمي وعزلتها عن الأسواق، لتنتهي غالبا بالإفلاس.

وتتجلى انعكاسات هذه الوضعية على المستوى الماكرو-اقتصادي في تزايد حالات الإفلاس بالتوازي مع توسع القطاع غير الرسمي، الذي يستوعب 77.3 في المائة من الساكنة النشيطة، إلى جانب تسجيل معدل بطالة يفوق 13 في المائة، خاصة في صفوف الشباب، بما يعكس أبعادا اجتماعية مباشرة للأزمة.

وفي مقابل هذا التشخيص، يقترح التقرير جملة من الإجراءات لإعادة هيكلة منظومة دعم المقاولات الصغيرة جدا، من بينها إحداث آلية رقمية للمواكبة، وتطوير صيغ تنظيمية جماعية تسهل ولوجها إلى التمويل والأسواق، فضلا عن تعزيز تمثيليتها داخل مؤسسات اتخاذ القرار الاقتصادي، بما يضمن إدماجها الفعلي في السياسات العمومية.

ويخلص التقرير إلى أن استمرار تهميش هذه الفئة، التي تشكل قاعدة الهرم الاقتصادي الوطني، يهدد إمكان تحقيق نمو شامل ومستدام، مؤكدا أن إصلاح بيئتها بات ضرورة ملحة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية.