رمضان في المغرب.. عادات عريقة وتقاليد لا تندثر


حرر بتاريخ | 03/03/2026 | من طرف كشـ24 - وكالات

تختلف عادات شهر رمضان وتقاليده بين منطقة وأخرى في المغرب، لكنها تبقى عناوين بارزة لما يحظى به شهر الصوم من أهمية لدى أبناء البلد الذين يسمونه “سيدنا رمضان”.

يحتل شهر رمضان مكانة خاصة في قلوب المغاربة الذين يحرصون على جعله مناسبة للتفرغ للعبادة وإحياء عادات وتقاليد راسخة في حياتهم لم تتغير أو تندثر مع مرور الزمن، وأيضاً لتجسيد قيم التقارب الأسري وإحياء صلة الرحم.
يستقبل المغاربة شهر رمضان أو “سيدنا رمضان”، كما يحلو لهم تسميته بسبب تفضيلهم له على باقي أشهر السنة، باستعدادات تبدأ في شهر شعبان وعادات وتقاليد كثيرة مألوفة لديهم وترافق حياتهم منذ أجيال.

يقول الباحث في الفكر الإسلامي محمد عبد الوهاب رفيقي لـ”العربي الجديد”: “رمضان المغاربة أكثر من عبادة أو فريضة مقدسة، إذ تمتزج معانيه الدينية المقدسة مع ثقافات وعادات وأعراف وطقوس اجتماعية. وهكذا يتجاوز زخمه الإطار الديني، وهذا ما يفسّر الفارق في تعامل المغاربة مع الشهر الفضيل مقارنة بباقي مواطني الدول الإسلامية على صعيد درجة التعظيم والقدسية، ففرائضه أكثر أهمية على صعيد الصلاة، ويندر جداً أن يتعامل مغربي مع رمضان باستهتار أو يمتنع عن أداء شعائره”.

ويوضح أن “أسباباً تاريخية وسياسية جعلت تعامل المغاربة مع رمضان يأخذ كل هذه القوة والزخم، إذ لديهم حرص شديد على طقوسه لدرجة أنهم لا يستطيعون أن يشعروا بطقوسه حين يؤدونها في دول إسلامية أخرى يعتبرون أنها تفتقر إلى الزخم الذي يرونه في بلدهم”.
وانطلقت التحضيرات والاستعدادات المادية والرمزية لاستقبال الشهر هذا العام في منتصف شهر شعبان، حيث شهدت الأسواق حركة نشيطة، وزادت السلع المرتبطة بالصيام، وحرصت الأسر على اقتناء ما تحتاجه رغم غلاء المعيشة.
تقول نعيمة الداودي لـ”العربي الجديد”: “تتفاوت الأسعار كثيراً هذا العام، فهناك منتجات مرتفعة الثمن، لكن رغم ذلك يتمسك المغاربة بعاداتهم في شهر رمضان عبر تأمين المستلزمات الأساسية”. تتابع: “استقبلت شخصياً شهر رمضان باستعدادات مبكرة عبر شراء مواد تموينية، خصوصاً التوابل والتمور والفواكه الجافة ولوازم أخرى نحتاج إليها لصنع حلوى الشباكية (تتكون من الدقيق والسمسم المحمص وماء الزهر والزبدة والعسل) والسفوف (يتكون من السمسم واللوز والنافع والدقيق المحمر والزبدة والعسل)، والبريوات (مصنوعة من ورق البسطيلة المحشو بالمكسرات)، علماً أن صنع الشباكية والسفوف في المنزل عادة لا أستغني عنها منذ عشرين عاماً، وقد تعلمت كل تفاصيل صنعهما من والدتي، لأن رمضان المغاربة لا يحلو إلا بهما”.

وفي الأيام الأخيرة من شعبان تولي المغربيات اهتماماً خاصاً بتنظيف البيوت واقتناء أوانٍ جديدة وملابس تقليدية. وتقول حليمة أشملال، وهي موظفة، لـ”العربي الجديد”: “أحافظ على عادة تخصيص الأسبوع الأخير الذي يسبق شهر رمضان لتنظيف المنزل وإيلاء عناية خاصة بصالة الضيوف، واقتناء بعض الأواني الجديدة التي أحتاجها. ومن أبرز تحضيرات المغربيات لشهر رمضان، اقتناء الألبسة التقليدية الجاهزة من المحلات أو تفصيلها بما يتلاءم مع ذوق كل منهن، واللباس التقليدي يصبح جزءاً أساسياً من المشهد اليومي في رمضان، سواء في المساجد أو خلال الزيارات العائلية أو في العمل، ويتحوّل إلى صورة تعكس عمق الثقافة المغربية وأصالتها، ما يجعل الشهر الفضيل لحظة تربط الماضي بالحاضر”.

وتحرص النساء في المغرب أيضاً على تصميم الجلابية والقفطان والكيمونو واقتنائها، وفق أحدث صيحات الموضة، لارتدائها في المناسبات الدينية والعائلية والسهرات الرمضانية. في السياق، توضح أسماء محو، مصممة الأزياء التي ورثت عن والدها شغف المهنة، أن المغاربة لا يزالون متمسكين بقوة بالزي التقليدي، وهو ما يتجلى بوضوح في إصرارهم على ارتدائه، وخصوصاً في المناسبات الدينية الكبرى مثل شهر رمضان، وعيدي الفطر والأضحى، والمولد النبوي.

وإلى جانب كونه مناسبة روحية، يشكل شهر رمضان مناسبة اجتماعية للتقارب الأسري، وإحياء صلة الرحم، حيث يحرص عدد كبير من المغاربة في اليوم الأول على دعوة بعضهم لبعض إلى الاجتماع على مائدة إفطار واحدة وتمضية الوقت معاً. ويقول الموظف ورب الأسرة محمد الحمزاوي (64 عاماً) لـ”العربي الجديد”: “يُعد اليوم الأول للصيام الأكثر روحانية، إذ تحرص العائلات المغربية على اللمة والإفطار الجماعي، لذا أستقبل عائلتي وضيوفي في بيتي كل سنة لتناول الفطور معاً في أجواء روحانية ومظاهر دينية، وأحاول أن أبث الفرح وأدخل البهجة إلى قلوب الصغار والكبار. وبسبب قدسية شهر رمضان وأهميته، يستبق المغاربة حلوله بتهيئة بيوت الرحمن للمصلين عبر تنظيفها وشراء فرش جديد، أو تنظيف القديم وشراء مصاحف جديدة واقتناء مستلزمات ليالي رمضان”. 

ويقول المرشد الديني مصطفى المدني لـ”العربي الجديد”: “يحرص المغاربة قبل حلول شهر الصيام على العناية بالمساجد بسبب الدور الروحي والاجتماعي الذي تضطلع به. ويحصل ذلك من خلال توفير جميع الشروط المطلوبة لأداء الصلوات في أفضل الظروف، ولا سيما على صعيد التأكد من جاهزية مكبرات الصوت وصيانتها بما يضمن وضوح الصوت وجودته في أثناء الصلوات والدروس الدينية. أيضاً يُولي المشرفون على المساجد اهتماماً خاصاً بقراء القرآن الكريم، ويعملون على استقطاب أشخاص يتميّزون بأسلوب مؤثر في التجويد لإحياء صلاة التراويح واستقطاب مزيد من المصلين”.
ويلفت المدني إلى أن “المغرب يتميّز بعادات روحانية، من بينها الدروس اليومية بعد صلاة العصر، أو بين صلاتي المغرب والعشاء، وأيضاً الدروس الحسنية وإطلاق حملات للتبرع بالدم في العديد من المساجد.
ولا تقتصر مظاهر الاستعداد لرمضان في المغرب على جوانب العبادة فقط، بل تمتد إلى الجانب الاجتماعي، حيث يتحوّل الشهر إلى محطة لتجديد روح التضامن وترسيخ العمل الخيري المؤسساتي من خلال إطلاق هيئات رسمية وجمعيات مدنية العديد من المبادرات الخيرية.

سف الشفوعي لـ”العربي الجديد”: “شهر رمضان في المغرب أكثر من مناسبة دينية عابرة، إنه موسم سنوي تتجدد فيه قيم التضامن والتكافل الاجتماعي، وتتجسّد فيه روح العطاء المتجذرة في الثقافة المغربية”. ويشكل الاستعداد لرمضان بالنسبة إلى جمعية “أمل سلا” مساراً عملياً يبدأ قبل فترة كافية من حلول الشهر، وينطلق من تحديد لوائح المستفيدين، حيث يُعمل على مراجعة المعطيات الاجتماعية للأسر المستهدفة، ثم التنسيق مع السلطات المحلية لتأطير عملية التوزيع وضمان احترام الضوابط التنظيمية.