في خضم الثورة الرقمية التي تعيد تشكيل موازين القوة عالميا، برز الذكاء الاصطناعي كأحد أبرز العوامل المؤثرة في طبيعة الصراعات المعاصرة، فالتطور المتسارع في قدرات تحليل البيانات والتعلم الآلي لم يعد مجرد مكسب تقني في مجالات الاقتصاد والصناعة، بل تحول إلى رافعة استراتيجية تعيد تعريف مفاهيم الردع والتفوق والسيطرة في ميادين القتال.
وفي هذا السياق، أكد الأستاذ أنس أبو الكلام، الخبير الدولي في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، في تصريحه لموقع كشـ24، أن السنوات الأخيرة شهدت تطورات غير مسبوقة في توظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، غير أن الأثر الأبرز والأكثر إثارة للجدل تجلى في الميدان العسكري والحروب الإلكترونية، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحليل البيانات، بل أصبح عنصرا محوريا في اتخاذ القرار وإدارة المعارك وعمليات التجسس والتخطيط الاستراتيجي.
وأوضح أبو الكلام، أن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على القوة التقليدية أو التكنولوجيا الكلاسيكية، بل باتت ترتكز على أنظمة ذكية قادرة على تحليل كميات هائلة من المعطيات، بدءا من صور الأقمار الصناعية وصولا إلى الرسائل الاستخباراتية وتقارير الوحدات الميدانية. هذا التحليل الفوري، يضيف المتحدث، يتيح تحديد الأهداف وتنسيق الضربات وترتيب الأولويات واتخاذ قرارات تشغيلية بسرعة تفوق القدرات البشرية، ما يمنح أفضلية استراتيجية واضحة في ساحات القتال المعاصرة.
وأشار مصرحنا إلى أن دور الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على معالجة البيانات، بل يمتد إلى اقتراح سيناريوهات وخيارات استراتيجية منطقية تساعد صناع القرار العسكري على اختيار البدائل الأنسب في بيئات نزاع معقدة وسريعة التغير، وفي سياق الحروب الإلكترونية، يتداخل الذكاء الاصطناعي مع أنظمة التشويش والحرب السيبرانية والسيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي، إذ تستطيع الأنظمة الذاتية التعرف على إشارات الخصم وتحليل أنماطها، والتشويش على الاتصالات العسكرية أو تعطيلها، بل والتنبؤ بالهجمات المضادة وتعزيز الدفاعات الرقمية بشكل استباقي.
ولفت الخبير إلى أن دراسات علمية حديثة تُظهر أن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي مع نماذج الحرب الإلكترونية يعزز فعالية عمليات التشويش ويقلل من فرص نجاح الهجمات المعادية، حتى في بيئات شديدة التعقيد، مثل أنظمة الصواريخ الذكية التي تعتمد على تقنيات توجيه ذاتي في ظروف عدائية.
غير أن أبو الكلام حذر، في المقابل، من التداعيات القانونية والأخلاقية لهذا التطور، مشيرا إلى أن توسيع نطاق الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في القرارات الميدانية يطرح إشكالات تتعلق بالرقابة البشرية، وتحديد المسؤولية عن الأخطاء، واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، كما نبه إلى أن بعض تجارب المحاكاة أظهرت ميلا لدى بعض النماذج الذكية إلى خيارات تصعيدية في أوقات الأزمات، ما قد يؤدي إلى أخطاء قاتلة أو تصعيدات غير مقصودة.
وخلص إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل اليوم قوة مضاعفة في ساحة الحروب الإلكترونية والعسكرية، من خلال تسريع تحليل البيانات وتحسين دقة الاستهداف وتعزيز القدرات الدفاعية، لكنه في الوقت ذاته قد يشكل خطرا على الأمن الدولي وحقوق الإنسان إذا استخدم دون ضوابط صارمة، داعيا إلى ضرورة وضع أطر دولية واضحة تنظم استخدام هذه التكنولوجيا في النزاعات المسلحة، بما يضمن احترام القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين، وتحديد معايير دقيقة تحكم توظيف الذكاء الاصطناعي في ميادين القتال.

