الحلقة 1.. أزمة الفعل الديمقراطي أو حين تتحول الأغلبية البرلمانية إلى أداة هيمنة


حرر بتاريخ | 02/12/2026 | من طرف كشـ24

لم تكن الإشكالية المركزية في تجربة الحكومة التي قادها السيد عزيز أخنوش مرتبطة بندرة الموارد أو بغياب الإطار الدستوري والمؤسساتي، بل في القراءة السياسية الضيقة لمفهوم الأغلبية البرلمانية. فقد جرى التعامل مع نتائج الاقتراع لا باعتبارها تفويضاً ديمقراطياً مشروطاً بالمساءلة، بل باعتبارها شيكاً على بياض يتيح تمرير السياسات والتشريعات بمنطق الغلبة العددية، لا بمنطق الشرعية الدستورية.

أولاً: الأغلبية بين الشرعية الانتخابية والمشروعية الدستورية
يُميز الفقه الدستوري بوضوح بين الشرعية الانتخابية التي تمنحها صناديق الاقتراع، والمشروعية الدستورية التي تفرض احترام القواعد والمبادئ العليا للدستور. فالأغلبية، مهما بلغ حجمها، لا تملك حق إعادة تعريف الحقوق والحريات، ولا تملك صلاحية الالتفاف على روح الدستور أو تحييد آليات التوازن والرقابة.
الدستور المغربي، خصوصاً في فصله الأول، لا يؤسس لديمقراطية عددية صرفة، بل ينص صراحة على:
التعددية،
ربط المسؤولية بالمحاسبة،
الديمقراطية التشاركية،
توازن السلط.
غير أن الممارسة الحكومية أظهرت نزوعاً واضحاً نحو اختزال الديمقراطية في لحظة التصويت، وإفراغ ما بعدها من مضمونها الرقابي والتشاركي.

ثانياً: من التشريع التوافقي إلى التشريع بالقوة العددية
من أخطر التحولات التي عرفتها الولاية الحكومية الأخيرة، الانتقال من منطق التشريع التوافقي إلى منطق التشريع القسري. فقد تم تمرير عدد من القوانين الأساسية دون إشراك فعلي:
النقابات في القوانين الاجتماعية،
المجتمع المدني في القوانين ذات الصلة بالحكامة ومحاربة الفساد،
الهيئات المهنية في القوانين المنظمة لمهنها.
وهذا السلوك يتعارض صراحة مع:
الفصل 12 من الدستور، الذي يقرّ دور جمعيات المجتمع المدني في إعداد وتقييم السياسات العمومية؛
الفصل 13، الذي يُلزم السلطات العمومية بإحداث هيئات للتشاور؛
والفصل 14، الذي يكرّس الحق في تقديم العرائض.
لكن بدل تفعيل هذه المقتضيات، جرى تحييدها عملياً، وتحويلها إلى شعارات دستورية بلا أثر سياسي.

ثالثاً: البرلمان بين الوظيفة الدستورية ودور “غرفة التسجيل”
الأغلبية البرلمانية، في التجارب الديمقراطية الناضجة، ليست أداة خضوع للحكومة، بل إطار مساءلة داخلية يضمن جودة التشريع ويحدّ من تغوّل السلطة التنفيذية. غير أن ما لوحظ خلال هذه الولاية هو تفريغ البرلمان من وظيفته التداولية، وتحويله إلى فضاء للمصادقة السريعة.
غابت المبادرات التشريعية المستقلة، وتراجع النقاش العمومي الجدي داخل اللجان، وتم تمرير نصوص بالغة الحساسية الاجتماعية والحقوقية في زمن قياسي، وكأن الزمن البرلماني لم يعد زمن السياسة، بل زمن الإنجاز المحاسباتي.

رابعاً: أثر هذا المنحى على السياسات العمومية
إن السياسات العمومية التي تُصاغ في غياب النقاش والتشاركية تكون، في الغالب:
ضعيفة التشخيص،
محدودة الاستشراف،
وعرضة للفشل عند أول اختبار اجتماعي.

وقد أفرز هذا النهج سياسات:
تُغلب الاعتبارات التقنية والمالية على الاعتبارات الحقوقية؛
ترى في الاحتجاج اختلالاً، لا تعبيراً ديمقراطياً؛
وتتعامل مع المجتمع كموضوع للتدبير لا كشريك في القرار.
خامساً: الكلفة المستقبلية على المواطن والدولة
إن أخطر ما في هذا المسار ليس نتائجه الآنية، بل آثاره التراكمية، التي قد تظهر على المدى المتوسط والبعيد في شكل:
عزوف سياسي متزايد، خصوصاً لدى الشباب؛
فقدان الثقة في جدوى المشاركة الانتخابية؛
انتقال الصراع الاجتماعي من المؤسسات إلى الشارع؛
هشاشة متنامية في السلم الاجتماعي؛
وإضعاف المناعة الداخلية للدولة في مواجهة الأزمات.

خاتمة: الأغلبية لا تصنع ديمقراطية… والعدد لا يُغني عن الشرعية
لقد كشفت تجربة هذه الحكومة حقيقة جوهرية طالما أكدتها التجارب المقارنة:
الأغلبية العددية لا تصنع ديمقراطية، كما أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على تكميم الوسائط ولا على تحييد الاختلاف.

فالدولة القوية ليست تلك التي تمرّر القوانين بسرعة، بل التي تصنع القبول المجتمعي، وتحترم التوازن بين السلط، وتعتبر النقد شريكاً لا خصماً. وكل مسار سياسي يُراكم القوانين على حساب الثقة، ويُراكم التبريرات بدل المحاسبة، إنما يؤسس، بصمت، لأزمة أعمق من مجرد فشل حكومي… إنه يؤسس لأزمة ديمقراطية.

عبدالرزاق بوغنبور