لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، يومه الثلاثاء 29 شتنبر الجاري، مجرد تغيير في قيادة الجهاز التنفيذي، بل محطة غير مسبوقة في تاريخ الحياة السياسية المغربية، بعدما أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المملكة.
وجاء هذا التعيين ليضع المنصوري أمام مسؤولية سياسية كبيرة، في مرحلة تتقاطع فيها انتظارات اجتماعية واقتصادية متزايدة مع تحديات مرتبطة بالتشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية والسكن وتقليص الفوارق المجالية.
ومع انتقال المنصوري من تدبير الشأن المحلي والعمل الحكومي والحزبي إلى قيادة الجهاز التنفيذي، تبدأ مرحلة جديدة سيكون معيارها الأساسي مدى قدرة الحكومة على تقديم أجوبة عملية عن الملفات التي تشغل المغاربة، وتحويل البرامج والالتزامات إلى إجراءات ونتائج ملموسة.
التشغيل في صدارة الانتظارات
يأتي ملف التشغيل في مقدمة التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة، في ظل استمرار الحاجة إلى خلق فرص شغل جديدة، خصوصا لفائدة الشباب، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
ولا يتعلق الأمر فقط بإحداث مناصب شغل، وإنما أيضا بتحسين جودة فرص العمل، ودعم الاستثمار والمقاولات، وتشجيع القطاعات القادرة على خلق وظائف مستدامة، بما يساهم في الحد من البطالة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
الصحة والتعليم.. خدمات ينتظر المغاربة تحسينها
يشكل قطاعا الصحة والتعليم بدورهما أحد أبرز عناوين الانتظارات الشعبية، إذ يرتبط تقييم السياسات العمومية بشكل مباشر بجودة الخدمات التي يحصل عليها المواطن في المستشفى والمدرسة.
وتجد الحكومة الجديدة نفسها أمام تحدي مواصلة إصلاح المنظومة الصحية، وتحسين الولوج إلى العلاج، وتقليص الفوارق في الخدمات بين المدن والمناطق القروية، إلى جانب الارتقاء بجودة التعليم العمومي والحد من مظاهر التفاوت في الاستفادة من المدرسة.
القدرة الشرائية والسكن تحت المجهر
ولا تقل مسألة القدرة الشرائية أهمية عن باقي الملفات، في ظل حساسية الأسر تجاه أسعار المواد والخدمات الأساسية. ومن المنتظر أن يكون تعامل الحكومة مع الضغوط التي تواجه ميزانيات الأسر أحد المؤشرات الرئيسية على مدى قدرتها على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية.
ويرتبط بذلك ملف السكن، الذي يظل من القضايا الأساسية بالنسبة إلى فئات واسعة من المغاربة، خصوصا الشباب والأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، بما يجعل السياسات المرتبطة بالسكن والدعم والاستفادة من برامج الدولة موضع متابعة واسعة.
تقليص الفوارق المجالية
وتبرز العدالة المجالية باعتبارها تحديا آخر أمام الحكومة الجديدة، خصوصا في المناطق القروية والجبلية والأقاليم التي ما تزال تواجه خصاصا في البنيات التحتية والخدمات الأساسية؛ فالانتظارات لا تتعلق فقط بإطلاق مشاريع جديدة، وإنما بضمان توزيع أكثر توازنا للاستثمارات، وتحسين الطرق والنقل والماء والخدمات الصحية والتعليمية، بما يسمح لسكان مختلف الجهات والأقاليم بالاستفادة من ثمار التنمية.
الاستثمار والاقتصاد في مواجهة تحديات المرحلة
اقتصاديا، ستكون الحكومة مطالبة بالحفاظ على جاذبية المغرب للاستثمارات، ودعم المقاولات الوطنية، وتسريع المشاريع المنتجة، مع البحث عن توازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والحاجة إلى الاستجابة للأولويات الاجتماعية.
كما سيكون لملفات الماء والطاقة والتحول المناخي وتطوير البنيات التحتية حضور متزايد في أجندة المرحلة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالأمن الاقتصادي والاجتماعي للمملكة.
من لحظة تاريخية إلى امتحان النتائج
يمنح تعيين فاطمة الزهراء المنصوري المغرب لحظة سياسية ذات دلالة رمزية، باعتبارها أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة، غير أن الرهان الأكبر يبدأ بعد هذه اللحظة؛ فالمغاربة ينتظرون من الحكومة الجديدة أجوبة عن أسئلة تتجاوز هوية رئيسها: كيف ستواجه البطالة؟ كيف سترفع جودة الصحة والتعليم؟ كيف ستدعم القدرة الشرائية؟ كيف ستعالج أزمة السكن؟ وكيف ستقلص الفوارق بين الجهات والمجالات الحضرية والقروية؟
وبين رمزية وصول امرأة إلى أعلى منصب في الجهاز التنفيذي، وثقل الملفات المطروحة على طاولة الحكومة، تبدو المرحلة المقبلة محكومة بمنطق النتائج. فنجاح الحكومة في كسب ثقة المواطنين سيظل مرتبطا بقدرتها على ترجمة السياسات العمومية إلى آثار ملموسة في حياتهم اليومية.

