في مدينة تستقبل ملايين الزوار سنويًا، وتُقدَّم كواجهة للسياحة المغربية، يتشكل داخل مهنة الإرشاد السياحي واقع أكثر تعقيدًا مما يبدو على السطح. فخلف الصورة البراقة لمراكش، يعيش المرشدون السياحيون، خصوصًا أبناء المدينة، على وقع ضغط مهني متزايد يمكن توصيفه بـ”الإغراق الاجتماعي”، حيث لا تتم المنافسة وفق شروط متكافئة، ولا يتحمل جميع الفاعلين الأعباء ذاتها.
ورغم أن المهنة تخضع لإطار قانوني واضح بموجب القانون 05.12، الذي يحدد شروط الولوج، ويُلزم بالحصول على الاعتماد، ويُقر مبدأ التخصص بين مرشدي المدن ومرشدي الفضاءات الطبيعية، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب النص، بل في محدودية قدرته على مواكبة التحولات التي يشهدها السوق السياحي، خاصة فيما يتعلق بحدود الاختصاص، سواء من حيث طبيعة النشاط أو من حيث المجال الجغرافي لممارسة المهنة.
في الواقع، لم يعد المرشد السياحي يواجه منافسة تقليدية، بل أصبح جزءًا من منظومة معقدة تتداخل فيها عدة مستويات. فمن جهة، يستمر نشاط الإرشاد غير المهيكل، الذي يُمارَس خارج أي إطار قانوني أو ضريبي، مما يفرض ضغطًا مباشرًا على المهنيين المعتمدين. ومن جهة أخرى، تُسجَّل حالات تداخل في الاختصاصات، رغم أن القانون ينص على ممارسة كل فئة لمجالها بشكل حصري، وهو ما يُضعف التوازن داخل المهنة.
غير أن التحول الأعمق يتجلى في بروز إشكالية الاختصاص الجهوي، حيث لا يُقدِّم الإطار القانوني تحديدًا دقيقًا لحدود المجال الجغرافي لممارسة المهنة، مما يجعل مدنًا مثل مراكش، بحكم جاذبيتها السياحية، فضاءً مفتوحًا أمام مرشدين من مختلف الجهات. ويطرح هذا الوضع تساؤلات مشروعة حول كيفية تحقيق التوازن بين حرية التنقل المهني من جهة، وحماية المجال المهني المحلي من جهة أخرى.
وفي موازاة ذلك، برزت منافسة من نوع آخر، أقل ظهورًا لكنها أكثر تأثيرًا، تتمثل في الفاعلين الرقميين الذين يوجهون اختيارات السياح قبل وصولهم إلى المغرب، عبر المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، دون أن يكونوا خاضعين لنفس الضوابط المهنية، مما يساهم في إعادة تشكيل السوق خارج الإطار القانوني التقليدي.
في ظل هذه المعطيات، يجد المرشد المعتمد نفسه في وضعية تنافسية غير متكافئة، إذ يتحمل كلفة التكوين والالتزام بالقانون، ويخضع للمراقبة، ويلتزم بقواعد التخصص، في حين ينافسه فاعلون يتحركون بهامش أوسع وبتكاليف أقل. وهو ما يؤدي تدريجيًا إلى ضغط على الأسعار، وتراجع في قيمة الخبرة، وإضعاف مكانة المرشد داخل المنظومة السياحية.
وتزداد حدة هذه الاختلالات في مراكش بحكم موقعها كقطب سياحي وطني، يجمع بين كونه نقطة انطلاق للرحلات، ومجال جذب لمرشدين من مختلف الجهات، ومنصة مفتوحة للفاعلين الرقميين، دون أن يواكب ذلك تطوير آليات تنظيمية دقيقة قادرة على ضبط توازن السوق داخل هذا المجال الحيوي.
ورغم أهمية المقاربة الأمنية في مواجهة بعض مظاهر الإرشاد غير القانوني، فإنها تظل غير كافية، ما دامت التحولات الأساسية لم تعد مرتبطة فقط بالممارسة الميدانية، بل ببنية السوق وآليات اشتغاله، بما في ذلك التحول الرقمي المتسارع.
أمام هذا الواقع، يبرز توجه داخل الأوساط المهنية يدعو إلى اعتماد مقاربة أكثر شمولية، تقوم على توضيح العلاقة بين التخصص المهني والاختصاص الجهوي، وإعادة تنظيم السوق داخل المدن السياحية الكبرى، وإدماج البعد الرقمي ضمن آليات التأطير، إلى جانب تعزيز دور الهيئات المهنية في حماية التوازن داخل القطاع.
اليوم، لم يعد السؤال المطروح هو وجود قانون من عدمه، بل مدى قدرته على ضبط سوق متغير ومتعدد الفاعلين. وبين نص قانوني ثابت وسوق مفتوح، يجد المرشد السياحي نفسه في قلب معادلة غير متكافئة، حيث لم تُحسم بعد حدود الاختصاص، ولا قواعد المنافسة.

