في ظل تصاعد التوتر السياسي والإعلامي بين المغرب والجزائر، عادت الحملات الرقمية والإعلامية المرتبطة بقضايا الهجرة إلى الواجهة، خاصة عقب أحداث سبتة المحتلة الأخيرة.
وفي هذا السياق قال أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بجامعة القاضي عياض، في تصريحه لموقع كشـ24، إن الحملات الإعلامية والرقمية التي تستهدف المغرب، وآخرها تلك المرتبطة بأحداث الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، ينبغي قراءتها في سياق أوسع يتجاوز الحدث في حد ذاته، ويمتد إلى طبيعة الصراع السياسي والدبلوماسي القائم في المنطقة.
واستحضر الأستاذ الجامعي، في هذا السياق، مشهدا يعود إلى مارس 2003، حين قام الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك بأول زيارة دولة لرئيس فرنسي إلى الجزائر منذ استقلالها، حيث استقبلته حشود كبيرة رددت شعار «شيراك، فيزا»، معتبرا أن هذه المفارقة تكشف، بحسب قراءته، عمق ظاهرة الهجرة والرغبة في مغادرة الجزائر، رغم الإرث الاستعماري الذي يفترض أن يجعل فرنسا، وفق الخطاب الرسمي الجزائري، عنوانا للعداء التاريخي.
وأضاف أن استحضار هذه الواقعة يأتي في سياق النقاش حول الطريقة التي جرى بها توظيف اندفاع عدد من الشباب المغاربة نحو سبتة المحتلة، من أجل تقديم صورة سلبية عن المغرب، مبرزا أن الإعلام الجزائري وعددا من الحسابات الرقمية انخرطت في تضخيم الحدث واستغلاله سياسيا وإعلاميا.
وأشار المتحدث إلى أن الأمر، وفق المعطيات التي أوردها، لم يقتصر على التفاعل الإعلامي مع الأحداث بعد وقوعها، بل سبقه نشاط رقمي تم توثيقه من طرف الخبير الإسباني في الأمن والاستخبارات خوسيه ماريا خيل غاري، الذي رصد مجموعات وحسابات شاركت في التعبئة وتداول معلومات عملية حول التوقيت والمسارات ونقاط التجمع.
وأوضح أن مجموعة على تطبيق واتساب حملت اسم «هجمة كرياج سبتة المحتلة» ظهرت في 28 يوليوز، وكانت تدار بواسطة أرقام تحمل المفتاح الدولي الجزائري +213، وتداولت معلومات مرتبطة بالوصول والتحرك والوضع الميداني، قبل أن ينتقل جزء من النشاط، بحسب المعطيات نفسها، نحو مليلية.
وفي المقابل، شدد أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة على أن الجزائر نفسها تواجه ظاهرة الهجرة غير النظامية منذ سنوات وبمستويات مرتفعة، معتبرا أن الأرقام الأوروبية تكشف حجم الظاهرة.
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي سجل خلال سنة 2025 نحو 70,905 مواطنين جزائريين في وضعية إقامة غير قانونية، وهو رقم يضع الجنسية الجزائرية في صدارة جنسيات الدول من خارج الاتحاد الأوروبي في هذا المؤشر. كما سجلت فرنسا خلال السنة نفسها 46,956 عملية توقيف لراشدين جزائريين في وضعية غير نظامية، بزيادة بلغت 39.1 في المائة خلال سنة واحدة.
وأشار إلى أن معطيات الهجرة عبر غرب البحر الأبيض المتوسط تقدم بدورها صورة لافتة، إذ مثل الجزائريون، خلال سنة 2025، نحو 54 في المائة من الوافدين عبر هذا المسار، بينما أصبحت الجزائر نقطة انطلاق لنحو 75 في المائة من الرحلات المسجلة عليه، مقابل حوالي 40 في المائة سنة 2024.
وأضاف أن جزر البليار استقبلت وحدها 7,321 مهاجرا ولاجئا خلال 2025، بزيادة بلغت 22 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، فيما استمر هذا المسار في تسجيل أعداد مهمة خلال سنة 2026.
وبحسب المتحدث، فإن تقريرا للمنظمة الدولية للهجرة أشار إلى وصول 5,647 شخصا إلى إسبانيا عبر مسار غرب البحر الأبيض المتوسط خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026، وكان الجزائريون في مقدمة جنسيات الوافدين بنسبة 42 في المائة.
ولفت إلى أن هذا المسار لا يرتبط فقط بأرقام الهجرة، بل يخلف أيضا كلفة بشرية ثقيلة، مستشهدا بمعطيات منظمة «Caminando Fronteras» التي وثقت، خلال سنة 2025، مقتل أو فقدان 1,037 شخصا على المسار الجزائري، الذي أصبح من أكثر الطرق استخداما للوصول إلى إسبانيا وأكثرها خطورة.
وفي قراءة لأسباب الظاهرة، اعتبر الأستاذ الجامعي أن استمرار الهجرة غير النظامية من الجزائر يطرح أسئلة مرتبطة بالنموذج الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، موضحا أن الاقتصاد الجزائري ظل لعقود يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط والغاز وعلى الريع، دون أن يحقق، حسب تقديره، مستوى مماثلا من التنويع والإنتاج.
وأضاف أن هذا النموذج ساهم في ترسيخ الاعتماد الواسع على الدولة في توزيع الموارد والوظائف والمنافع، وهو ما انعكس، بحسب رأيه، على علاقة فئات واسعة من الشباب بسوق الشغل وبآفاق المستقبل.
وأشار إلى أن الحراك الشعبي الجزائري لسنة 2019 عكس بدوره حالة من الاحتقان تجاه طريقة إدارة السلطة والثروة، مستحضرا العبارات والشعارات التي رفعت خلال الاحتجاجات، ومن بينها «العصابة» و«حكم السراق».
كما اعتبر أن ظاهرة الهجرة غير النظامية في الجزائر تجاوزت بعدها الاقتصادي والاجتماعي لتصبح جزءا من الثقافة والمخيال الشعبي، مشيرا إلى الدراسات التي تناولت ظاهرة «الحراقة» وعلاقتها بالاحتجاج والإقصاء والإحساس بانسداد الأفق.
وفي هذا السياق، لفت إلى حضور موضوع الهجرة في الموسيقى الشعبية الجزائرية، خصوصا في الراي والراب، وما ارتبط به من مفاهيم مثل «الحكرة»، باعتبارها تعبيرا عن الإحساس بالظلم والتهميش والعجز، مؤكدا أن هذا الحضور الثقافي انتقل إلى فضاء مغاربي أوسع.
وبخصوص ما وصفه بالحملات الرقمية الموجهة ضد المغرب، قال الأستاذ الجامعي إن جزءا من أدواتها ظهر بشكل أوضح بعد إضافة منصة «X» خلال نونبر 2025 خاصية «حول هذا الحساب»، التي تسمح بالتعرف على البلد أو المنطقة المرتبطة بالحساب.
وأوضح أن هذه الخاصية كشفت، وفق قراءته، وجود حسابات تنخرط في قضايا مغربية داخلية وتخاطب المغاربة، بل إن بعضها يقدم نفسه باعتباره صوتا مغربيا، في حين كانت بيانات المنصة تربطها بالجزائر.
ويرى المتحدث أن انكشاف هذه الممارسات ساهم في إضعاف قدرتها على التأثير، لأن جزءا من الأساليب المعتمدة أصبح مكشوفا، وأصبح من الممكن، حسب تعبيره، مساءلة مصدر الحسابات والخطابات بدل التعامل معها باعتبارها تعبيرات عفوية صادرة عن الرأي العام المغربي.
واعتبر أن أحداث سبتة المحتلة ليست سوى حلقة جديدة ضمن سلسلة من الحملات الإعلامية والرقمية التي تستهدف صورة المغرب، مشيرا إلى أن حملات مماثلة سبق أن رافقت منافسات كأس إفريقيا للأمم، وحاولت التشكيك في قدرة المملكة على التنظيم وفي صورتها الإقليمية والدولية.
وربط أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بين استهداف الرياضة وبين المكانة التي أصبح يحتلها المغرب على الساحة الدولية، خصوصا بعد الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في مونديال قطر، ثم اختيار المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال لتنظيم كأس العالم 2030.
كما وضع هذه الحملات في سياق التحولات التي شهدها موقع المغرب الدبلوماسي، خصوصا ما يتعلق بقضية الصحراء، واتساع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، إلى جانب تعزيز الشراكات المغربية مع دول إفريقية وقوى إقليمية ودولية.
وفي المقابل، يرى المتحدث أن الجزائر تواجه صعوبات دبلوماسية متزايدة في الدفاع عن مواقفها، خاصة في ملف الصحراء الذي شكل لعقود أحد المحاور الأساسية لسياستها الخارجية، معتبرا أن انتقال المواجهة إلى الإعلام والفضاء الرقمي يعكس، في جزء منه، طبيعة هذا التنافس الإقليمي.
وختم أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بجامعة القاضي عياض تصريحه بالتأكيد على أن قوة الدول لا تقاس فقط بحجم الحملات الإعلامية التي تواجهها، وإنما بقدرتها على الحفاظ على مؤسساتها واستقرارها ومصالحها الاستراتيجية.
وأكد أن المغرب، باعتباره دولة ذات امتداد تاريخي ومؤسسات متجذرة، قادر على تجاوز الحملات التي تستهدف صورته، معتبرا أن ما وصفه بـ«الضجيج الرقمي» لا يمكن أن يغير، في نهاية المطاف، من مسار دولة راكمت حضورها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي على مدى عقود.

