كواليس تصوير الملحمة السينمائية “الأوديسة” في المغرب


حرر بتاريخ | 08/02/2026 | من طرف كشـ24 | و.م.ع

لم يكن اختيار المغرب لتصوير مشاهد من الملحمة السينمائية “الأوديسة” مجرد قرار إنتاجي عابر، بل كان رحلة بحث عن أماكن قادرة على احتضان عالم أسطوري من الخيال. وفي قلب هذه الرحلة، برز اسم المنتج المغربي زكريا العلوي، أحد أبرز الأسماء في مجال تنفيذ الإنتاج الدولي بالمغرب، والذي كان شاهدًا على اللحظة التي أسرت فيها طبيعة الداخلة المخرج البريطاني الأميركي كريستوفر نولان.

ويستعيد زكريا العلوي، في حديث خاص لوكالة المغرب العربي للأنباء، تفاصيل اللحظة التي وقف فيها نولان أمام مشهد ‘التلة البيضاء’ على ساحل مدينة الداخلة جنوب المملكة، حيث التقت الرمال البيضاء بمياه المحيط الأطلسي في لوحة طبيعية بدت وكأنها خرجت من صفحات الأساطير.

كان نولان يبحث عن موقع يجسد جزيرة ‘أوجيجيا’ الأسطورية، التي ترتبط بشخصية ‘كاليبسو’ التي تؤدي دورها النجمة شارليز ثيرون، إلا أن المشهد الطبيعي للمنطقة حسم الاختيار سريعًا، بعدما وجد المخرج في ذلك الهلال الرملي الفريد مزيجًا نادرا بين الواقع والخيال.

وقبل الوصول إلى الداخلة، كانت فرق إنتاج ‘الأوديسة’ قد أنهت مراحل تصوير امتدت لنحو خمسة أسابيع في مواقع مغربية مختلفة، من بينها قصبة آيت بن حدو التي استعادت أجواء طروادة، وساحل الصويرة والمسرح الملكي بمراكش.

وبعد انتقال وحدات الإنتاج إلى أوروبا لمواصلة التصوير في إيطاليا واليونان وإيسلندا واسكتلندا، عاد نولان في زيارة استكشافية خاصة إلى الداخلة، قبل أن يتخذ قرار العودة بكامل المعدات لتصوير أسبوع إضافي من مشاهد الفيلم.

وكانت قائمة المواقع المرشحة لهذه المرحلة تضم أماكن في أستراليا والباهاماس، غير أن ‘التلة البيضاء’ أو ‘لغريد’ كما يسميها السكان محليا، فرضت نفسها منذ النظرة الأولى، بفضل طبيعتها الساحرة التي تجمع بين الكثبان الرملية والمحيط في مشهد سينمائي استثنائي.

ويؤكد زكريا العلوي أن اتصاله بنولان لم يكن مفاجئا، مشيرا إلى علاقة مهنية وإنسانية تجمعهما منذ أكثر من 14 عاما، بدأت مع تجربة تصوير فيلم ‘إنسابشن’ (الاستهلال) في طنجة، بمشاركة النجم ليوناردو دي كابريو.

ويصف العلوي نولان بأنه مخرج ومنتج شديد الدقة، يولي أهمية كبيرة للتفاصيل، ويعتمد على فرق عمل تتمتع بالكفاءة العالية، كما يحرص على السرية المطلقة في جميع مراحل إنتاج أعماله، إذ لا يطلع على السيناريو وبرنامج التصوير سوى عدد محدود جدًا من الأشخاص.

كما يكشف أن نولان يعتمد على مساعديه المباشرين في إدارة العمل، بعيدا عن استخدام الهاتف أو البريد الإلكتروني، للحفاظ على خصوصية المشاريع التي يشرف عليها.

ويرى زكريا العلوي، الذي راكم خبرة تتجاوز أربعة عقود في مجال الإنتاج السينمائي، أن ‘الأوديسة’، من بطولة النجم مات ديمون، يمثل أول مشروع سينمائي بهذا الحجم يتم تصويره في الداخلة والمنطقة المحيطة بها.

وأوضح أن تنفيذ إنتاج ضخم في هذه المنطقة شكل تحديا لوجستيًا كبيرا، بسبب الحاجة إلى نقل معدات متطورة وتوفير فرق تقنية متخصصة، مشيدا بالدعم الذي قدمته السلطات المغربية، خصوصًا قطاع الاتصال، من أجل إنجاح المشروع.

ووصف المواكبة الرسمية للعمل بأنها كانت ‘ذكية وسخية’، وأسهمت في توفير الظروف المناسبة أمام فريق إنتاج عالمي بهذا الحجم.

وبعد انتهاء التصوير، أعرب العلوي عن سعادته بظهور المواقع المغربية في الفيلم، معتبرا أن حضور المغرب في ‘الأوديسة’ يمثل ترويجا ثقافيا وسياحيا واقتصاديا للمملكة أمام جمهور عالمي واسع.

وقال إن أجمل اللقطات في الفيلم كانت مغربية، مؤكدا أن العمل سيظل محطة بارزة في تاريخ السينما، كما يعكس قدرة المغرب على توفير بيئة إنتاجية تجمع بين الطبيعة المتنوعة والبنية التقنية والكفاءات البشرية.

وشدد المنتج المغربي على أن المملكة لم تعد مجرد فضاء لتصوير الأعمال الأجنبية، بل أصبحت شريكا حقيقيا في صناعة هذه المشاريع، بفضل تطور الخبرات المحلية.

وأشار إلى أن التقنيين المغاربة المشاركين في ‘الأوديسة’ فاق عددهم الفريق الأجنبي بخمسة أضعاف، وأن العديد منهم باتوا يشغلون مواقع أساسية في مجالات مثل الكاميرا والصوت وغيرها من التخصصات الفنية الدقيقة.

ولا يبدو أن نجاح ‘الأوديسة’ سيكون نهاية رحلة زكريا العلوي، الذي بدأ مسيرته في تنفيذ الإنتاج الأجنبي عام 1985 من خلال فيلم ‘هاريم’ للمخرج آرثر جوفي، وشارك لاحقا في تنفيذ أعمال عالمية شهيرة مثل ‘غرين زون’ و’أميركن سنايبر’ و’ميسيون أنبوسيبل’.

ويستعد العلوي لخوض تجربة جديدة من خلال الجزء الرابع من فيلم ‘المومياء’ التابع لشركة ‘يونيفرسال بيكتشرز’، من إخراج تايلر جيليت ومات بيتينيلي-أولبين.

ويواصل المنتج المغربي دفاعه عن الإمكانات السينمائية للمغرب، مؤكدا أن تنوعه الطبيعي والعمراني، من الصحراء إلى الجبال والمدن الحديثة والقصبات التاريخية، يجعله بمثابة ألبوم مفتوح من الصور والمواقع القادرة على جذب كبرى الإنتاجات العالمية.

وبالنسبة إليه، فإن مستقبل الصناعة السينمائية في المغرب يرتبط بمزيد من اللامركزية في توزيع الإنتاجات الدولية، بما يساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والثقافية في مختلف مناطق المملكة.