محلل سياسي لـ كشـ24: الحروب لم تعد تُحسم بالنصر المطلق بل بمنطق التوازن


حرر بتاريخ | 03/25/2026 | من طرف زكرياء البشيكري

تشكل الحروب، في عمقها، إحدى الأدوات المركزية في العلاقات الدولية، إذ لا تفهم باعتبارها مجرد انفجارات عشوائية للعنف، بل كوسيلة تسعى من خلالها الدول إلى تحقيق مصالحها وتأمين شروط بقائها.

وهذا ما أكده المحلل السياسي وأستاذ علم السياسة والقانون الدستوري بجامعة القاضي عياض، محمد بنطلحة الدكالي، في تصريحه لموقع كشـ24، مشددا على أن منطق الصراع ظل، منذ نشأة الدولة الحديثة، مرتبطا بالبحث عن القوة بأبعادها العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية، أكثر من ارتباطه بالقيم أو الانفعالات.

وأوضح المتحدث ذاته، أن التحليل التقليدي للعلاقات الدولية كان يقوم على ما يعرف بـ”المعادلة الصفرية”، التي تفترض أن انتصار طرف يعني بالضرورة هزيمة الطرف الآخر بشكل كامل. غير أن التجارب التاريخية، خاصة في الحروب الحديثة، أبرزت محدودية هذا التصور، حيث لم تعد النزاعات تحسم بسرعة، بل تميل إلى الامتداد والاستنزاف، ما يُفرغ فكرة النصر المطلق من مضمونها، ويفتح المجال أمام صيغ أكثر تعقيدا، تقترب مما يُعرف بالمعادلات غير الصفرية، التي تفرض البحث عن توازنات وتسويات، حتى وإن كانت غير مباشرة.

وفي هذا السياق، أشار الدكالي إلى أن طبيعة الحروب المعاصرة لم تعد عسكرية صرفة، بل تحولت إلى ظواهر شاملة تمتد آثارها إلى مختلف مناحي الحياة، من الاقتصاد إلى المجتمع، فاستمرار النزاعات يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع النمو، فضلا عن تداعيات اجتماعية عميقة، ما يجعل كلفة الحرب لا تقاس فقط بالخسائر البشرية، بل بمدى تأثيرها على البنية العامة للدولة والمجتمع.

وأضاف أن السعي لتحقيق كل شيء مقابل لا شيء لم يعد خيارا واقعيا في أغلب الحالات، حتى بالنسبة للدول التي تحقق تفوقا عسكريا، إذ يبقى تحويل هذا التفوق إلى مكسب سياسي مستقر رهينا بقدرة تلك الدول على إدارة مرحلة ما بعد الصراع، وهو ما يزيد من تعقيد معادلات الحرب والسلم على حد سواء.

وفي موازاة ذلك، سجل الأستاذ الجامعي تصاعدا لافتا في مستويات التسلح على الصعيد الدولي، مع بلوغ الإنفاق العسكري أرقاما قياسية، ما يعكس عودة مركزية القوة في العلاقات الدولية، غير أن هذا التصاعد، بحسبه، لا يعني بالضرورة اقتراب حرب شاملة، بل يعكس ما يُعرف بـ”معضلة الأمن”، حيث يؤدي سعي كل دولة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية إلى إثارة مخاوف لدى الدول الأخرى، ما يدفعها بدورها إلى التسلح، في حلقة متصاعدة من الشك وعدم الثقة.

كما توقف عند مسألة الردع النووي، معتبرا أن هذا النوع من السلاح، رغم طبيعته التدميرية، لم يُستخدم في الحروب الكبرى المعاصرة، ليس بسبب غياب القدرة، بل بفعل الكلفة القصوى المترتبة عن استخدامه، وفي هذا الإطار، ينظر إليه كأداة تأثير وردع أكثر منه وسيلة استعمال فعلي، إذ تكمن قوته في قدرته على تغيير حسابات الخصوم دون الحاجة إلى اللجوء إليه.

وأشار الدكالي إلى أن هذا التوازن القائم على الردع لا يلغي التوتر، بل يعيد تشكيله في صور أكثر تعقيداً، حيث أصبحت الحروب أقل وضوحا، تتداخل فيها العمليات العسكرية المحدودة مع الضغوط الاقتصادية، والتأثير الإعلامي، والحرب النفسية، إضافة إلى دور البروباغندا في تضخيم احتمالات الصدام، خاصة النووي، بما يخدم أحياناً أهدافاً سياسية واستراتيجية.

ورغم ذلك، شدد مصرحنا على أن سلوك الدول يظل في الغالب محكوما بحسابات عقلانية، إذ لا تلجأ إلى الحرب إلا عندما ترجح كفة المكاسب المتوقعة على الخسائر المحتملة، أو حين تصبح كلفة تجنب الصراع أعلى من كلفة خوضه، مع الإقرار بأن هذه الحسابات تبقى محفوفة بعدم اليقين، نظراً لتعقيد الحروب وتجاوزها في كثير من الأحيان للتقديرات الأولية.

وختم الأستاذ الجامعي تصريحه بالتأكيد على أن السلام في عالم اليوم لم يعد حالة طبيعية أو تلقائية، بل نتيجة معقدة تقوم على توازن دقيق بين الردع والمصلحة والعقلانية، مشيرا إلى أن ثمن السلام لا يقل أهمية عن كلفة الحرب، لأنه يتطلب تنازلات وجرأة سياسية وقدرة على إدراك حدود القوة.

وبناء على ذلك، تبرز الحروب المعاصرة، وفق المتحدث، كدليل على تحول عميق في منطق الصراع الدولي، من البحث عن الحسم إلى إدارة التوازن، ومن السعي إلى الانتصار المطلق إلى تفادي الخسارة الشاملة، وهو ما يجعل السلام خيارا صعبا، لكنه أقل كلفة من البدائل الممكنة.