لم تعد الفضاءات الرقمية التي تجمع المرشدين السياحيين تمرّ دون إثارة الجدل، بعدما تحوّلت في فترات متكررة إلى ساحات نقاش مشحونة بإيقاع متوتر. فداخل مجموعات التراسل الفوري، لم يعد التفاعل مقتصرًا على تبادل المعلومات أو وجهات النظر المهنية، بل اتّخذ أحيانًا منحىً حادًا يعكس درجة لافتة من التشنج في الخطاب.
ومع تصاعد هذا النوع من النقاشات، بدأت تُطرح تساؤلات داخل الأوساط المهنية حول طبيعة الخطاب المتداول، وحدود حرية التعبير داخل فضاءات افتراضية لا تبدو دائمًا محكومة بنفس قواعد التفاعل المهني المتوازن.
المتابعون لهذه الدينامية الرقمية يسجّلون أن جزءًا من التفاعلات يتّسم بسقف تعبيري مرتفع، حيث تتقاطع الآراء المهنية مع مواقف شخصية وتباينات حادّة في التقدير. ورغم أن الاختلاف في الرأي يُعدّ عنصرًا طبيعيًا في أي نقاش مهني، فإن الإشكال يبرز حين تتحول الحدة في الخطاب إلى عنصر يخلق حساسيات إضافية داخل فضاء يُفترض أنه للتواصل والتنسيق.
ويشير مهنيون إلى أن طبيعة الوسيط الرقمي تساهم بدورها في تضخيم حدّة التفاعل، بالنظر إلى سرعة النشر وسهولة التعبير، وهو ما قد يدفع أحيانًا إلى انزلاقات لفظية أو أساليب تخاطب تثير الجدل حول حدود النقاش المهني. فبين الرغبة في إبداء الرأي وسهولة الانفعال، تصبح الحدود الفاصلة بين النقد والحوار المتشنج أكثر هشاشة.
غير أن الزاوية الأكثر حساسية في هذا السياق تظل قانونية قبل أي اعتبار آخر. فالفضاء الإلكتروني لا يُعدّ مجالًا منفصلًا عن قواعد المسؤولية، وكل محتوى متداول يظل قابلًا للتوثيق وإعادة التداول. ومع تطور التعامل مع الأدلة الرقمية، أصبحت العبارات المنشورة أو المتداولة تحمل أبعادًا قد تتجاوز بكثير لحظة نشرها.
وفي هذا الإطار، يؤكد متابعون أن حرية التعبير داخل المنصات الرقمية تبقى مبدأً أساسيًا، لكنها لا تنفصل عن المسؤولية القانونية والأخلاقية. فطبيعة الخطاب داخل فضاءات مهنية متخصصة تفرض بدورها قدرًا من الوعي بضوابط التخاطب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بعبارات قد تُفهم خارج سياقها أو تُؤوَّل بشكل مختلف.
كما أن الانعكاسات المهنية لهذه النقاشات لا يمكن إغفالها. فطبيعة التفاعل داخل المنصات الرقمية تُسهم في تشكيل المناخ التواصلي داخل القطاع، وعندما يطغى التوتر أو الاحتقان، ينعكس ذلك مباشرة على جودة العلاقات المهنية. إذ يفترض في أدوات التواصل أن تُقرب وجهات النظر، لا أن تتحول إلى مصادر توتر دائم.
وأمام هذا الواقع، تتزايد الدعوات داخل الوسط المهني إلى تعزيز ثقافة النقاش المسؤول داخل الفضاءات الرقمية، بما يضمن الحفاظ على التعدد في الآراء دون الانزلاق نحو مناخ متشنج. فالمهنة، التي تواجه تحديات تنظيمية واقتصادية معقدة، تحتاج إلى فضاءات تواصل تُسهم في التهدئة وتبادل الخبرات بدل تغذية التوترات.
فالفضاء الرقمي لا يستهان بدوره وتأثيره، وإدارة الخطاب داخله أصبحت بدورها جزءًا من التحدي المهني المعاصر.

