أثار التسريب الصوتي المنسوب لرئيس مجلس النواب والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، راشيد الطالبي العلمي، نقاشا سياسيا وحقوقيا واسعا حول واقع الممارسة الحزبية والديمقراطية بالمغرب، في ظل ما يصفه متابعون بتزايد مظاهر الترحال السياسي وتراجع الثقة في الفاعلين والمؤسسات السياسية.
وفي هذا السياق، قال فاروق مهدوي، المحامي بهيئة الرباط والناشط الحقوقي والسياسي، في تصريحه لموقع كشـ24، إن المظاهر التي بات يعيشها المشهد السياسي المغربي توحي بأن الوضع السياسي أصبح وضعا عبثيا، مشدداً على أن الأمر لا يرتبط بالتسريب المنسوب إلى الطالبي العلمي في حد ذاته، وإنما يعكس، بحسبه، وضعا عاما تطغى عليه أزمة الثقة وممارسات يعتبرها منافية للعمل السياسي الجاد والنبيل.
وأوضح مهدوي أن الساحة السياسية المغربية أصبحت، حسب تعبيره، بيئة ملوثة تسيطر عليها الكائنات الانتخابية، معتبرا أنه لا يمكن، في هذا الإطار، إغفال دور الدولة ووزارة الداخلية بشكل خاص في ضبط الإيقاع السياسي والتحكم في المشهد والخارطة السياسية.
وأضاف المتحدث ذاته أن المشهد السياسي يعرف تعدد الفاعلين، وفي مقدمتهم الأحزاب السياسية والدولة، معتبرا أن العلاقة بين الطرفين أسهمت، وفق تقييمه، في إفساد الممارسة السياسية، معتبرا أن ما وقع في قضية التسريب الصوتي ليس إلا تجليا من تجليات هذا الفساد السياسي، مستشهدا بما وصفه بظاهرة انتقال مسؤولين وقيادات حزبية من حزب إلى آخر، وخوض الانتخابات بألوان سياسية مغايرة.
وفي استعراضه لأبرز مظاهر ما وصفه بالعبث الذي يطبع المشهد السياسي، قال مهدوي إن الواقع السياسي المغربي بات يعرف حالات عبثية متعددة، من بينها أن أمين عام حزب يمكن أن يشارك اليوم في نشاط حزبي بصفته أمينا عاما، وفي الغد يترشح مع حزب آخر، مستشهداً بما وقع، بحسبه، في مدينة بركان. وأضاف أن الأمر لا يقتصر على الأمناء العامين، بل يشمل أيضا قيادات سياسية تبيت في حزب وتصبح في حزب آخر، في إشارة إلى تنامي ظاهرة الترحال السياسي.
وانتقد المتحدث، في السياق ذاته، ما اعتبره استغلالا لصورة الملك في الخطاب السياسي، إلى جانب توظيف الخطاب الديني من طرف بعض الفاعلين السياسيين، فضلا عن تزكية وترشيح أشخاص متابعين في قضايا تتعلق بالفساد وجرائم الأموال، معتبراً أن ذلك يتم أمام صمت الجميع.
واعتبر الناشط الحقوقي والسياسي أن هذه الأمثلة، رغم كونها لا تمثل سوى جزء من المشهد، تكشف، حسب رأيه، عن انحدار أخلاقي في الممارسة السياسية، قبل أن ينتقل إلى ما اعتبره إشكالا أعمق يتعلق بالممارسة الديمقراطية.
وقال مهدوي إن السؤال المطروح اليوم لا ينبغي أن يقتصر على الجانب الأخلاقي، بل يتجاوزه إلى مدى توفر شروط الديمقراطية الحقيقية، مضيفا أن سلوك الفاعلين السياسيين وسلوك الدولة، من وجهة نظره، لم تعد تجمعه أية نقطة التقاء مع أفعال الديمقراطية الحقيقية.
وأوضح مصرحنا أن الديمقراطية، باعتبارها تعبيرا عن إرادة الشعب داخل المؤسسات، أصبحت، حسب تقييمه، معيبة ومشوبة بمجموعة من العيوب، معتبرا أن صوت المواطنين لم يعد، في نظره، ينعكس بشكل حقيقي داخل البرلمان، وأن عددا من ممثلي الأمة لا يعبرون عن إرادة الشعب، بسبب ما وصفه بابتعاد ممارساتهم عن الهموم المادية والمعنوية للمغاربة.
كما انتقد مهدوي طريقة تدبير عدد من الملفات والمشاريع الكبرى، معتبرا أن المنتخبين لا يملكون، بحسبه، دورا حقيقيا في عدد من القرارات الاستراتيجية، سواء تعلق الأمر بالمشاريع الكبرى أو بصناديق التنمية أو بالتحضيرات المرتبطة باستحقاقات كبرى مثل كأس العالم.
وتساءل مهداوي في هذا الصدد: عن أي ديمقراطية نتحدث في ظل هذا الوضع؟، قبل أن يخلص إلى القول إن المسافة بين الواقع السياسي المغربي والديمقراطية، وفق تعبيره، “بيننا وبينها الخير والإحسان”.
وبخصوص التسريب الصوتي المنسوب إلى الطالبي العلمي، رفض مهدوي اعتباره مجرد واقعة معزولة، معتبرا أن مضمون التسجيل، يكشف جانبا من واقع الممارسة السياسية. وقال إن الطالبي العلمي لم يقل إلا الحقيقة، بالنظر إلى أن الحديث، وفق المعطيات المتداولة، جرى خلال اجتماع للمكتب السياسي، معتبرا أن ما صدر عنه يعكس نقاشا داخليا يفترض أن يكون أكثر صراحة.
وأضاف المحام بهيئة الرباط أن التسريب، من وجهة نظره، أتاح للمغاربة الاطلاع على جزء مما ظل عدد من الأصوات السياسية والحقوقية يثيره منذ سنوات بشأن طبيعة النخب التي يتم الاعتماد عليها في تدبير الشأن العام.
وختم مهدوي بالتأكيد على أن بناء الدولة لا يمكن أن يقوم، حسب رأيه، على الأعيان وأصحاب المال، مشددا على أن الدولة الديمقراطية تُبنى بالديمقراطية الحقة، وبمشاركة المواطنين الذين يملكون، وفق تعبيره، غيرة حقيقية على البلاد، وليس بمنطق المصالح الانتخابية الضيقة.

