تتواصل حالة الاستياء في صفوف ساكنة تامنصورت وفعالياتها المدنية والطلبة، بسبب استمرار تعثر مشروع المركب الجامعي بتامنصورت، التابع لجامعة القاضي عياض، والذي كان يُراهن عليه منذ سنوات ليشكل رافعة حقيقية للتنمية بالمدينة الجديدة لجماعة حربيل، ويضع حداً لمعاناة آلاف الطلبة مع التنقل والاكتظاظ داخل المؤسسات الجامعية بمراكش.
و تحول المشروع، الذي حصل على رخصة البناء سنة 2018، مع مرور السنوات من ورش جامعي كان يفترض أن يرى النور على مراحل إلى ملف مفتوح على أسئلة كثيرة، خصوصاً بعدما ظل الإنجاز الفعلي للمركب متعثراً رغم مرور سنوات طويلة على إطلاقه ورصد الاعتمادات المالية المرتبطة به.
وبحسب معطيات رسمية وتاريخية منشورة من طرف جامعة القاضي عياض، فإن فكرة المركب ليست وليدة سنة 2018، بل تعود إلى سنوات سابقة، فقد أعلنت الجامعة سنة 2014 عن مشروع لإحداث أول مركب جامعي مدمج بتامنصورت على مساحة تناهز 165 هكتاراً، بطاقة استيعابية مستهدفة تصل، على المدى البعيد، إلى نحو 60 ألف مقعد، وكان التصور يشمل مؤسسات ذات الولوج المفتوح، وأخرى ذات الولوج المنظم، إلى جانب المدرسة العليا للتكنولوجيا، فضلاً عن الأحياء والإقامات والمطاعم الجامعية والفضاءات الرياضية والثقافية.
وفي إطار اتفاقية لتمويل برنامج لتأهيل وتنمية المدينة الجديدة، كانت المعطيات الرسمية تشير آنذاك إلى غلاف إجمالي للبرنامج بلغ 1.356 مليار درهم، منها 1.1 مليار درهم مخصصة لبناء المركب الجامعي بتامنصورت، باعتباره امتداداً لجامعة القاضي عياض ورافعة لإعادة تنشيط المدينة كما أكدت معطيات أخرى أن المشروع كان يرمي إلى توفير آلاف المقاعد الجامعية سنوياً، واستقطاب مؤسسات جامعية جديدة، بما يساهم في تخفيف الضغط عن مؤسسات التعليم العالي بمراكش، وتحويل تامنصورت إلى قطب جامعي ومعرفي قادر على خلق دينامية اقتصادية واجتماعية جديدة.
ورغم هذه التصورات الطموحة، لم يكتب للمشروع أن يسير وفق الجدولة التي كانت معلنة. ففي سنة 2017، كانت جامعة القاضي عياض تتحدث عن إطلاق المركب الجامعي المندمج بطاقة تصل إلى 60 ألف مقعد، فيما كانت تصريحات مسؤولي الجامعة تشير إلى أن الشطر الأول كان مرتقباً أن يدخل حيز الاستغلال في أفق شتنبر 2019 لكن التطورات اللاحقة كشفت عن عراقيل حالت دون انطلاق الأشغال بالشكل المنتظر.
وفي هذا السياق، كشف جواب حكومي سنة 2019، عقب سؤال برلماني حول أسباب تأخر المشروع، أن إحدى أبرز العقبات ارتبطت بوجود تعرضات من مواطنين وخواص بشأن الوعاء العقاري المخصص للمركب، والذي كانت مساحته تناهز 145 هكتاراً حيث أوضح وزير التعليم العالي آنذاك أن الوزارة خصصت 30 هكتاراً لانطلاق الشطر الأول، غير أن التعرضات أوقفت الأشغال، مشيراً إلى أن القضاء كان قد أصدر حكماً ابتدائياً لصالح الوزارة، مع انتقال الملف حينها إلى مرحلة الاستئناف، كما أكد أن الدراسات المعمارية للمشروع كانت قد أُنجزت، وأن مهمة التجهيز أُسندت إلى مديرية التجهيزات العامة بوزارة التجهيز.
ولم يختف الملف من النقاش العمومي، إذ عاد المركب الجامعي تامنصورت إلى الواجهة البرلمانية من جديد ففي سؤال كتابي وجه سنة 2023 إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، تمت الإشارة إلى أن المشروع حصل على رخصة البناء منذ سنة 2018، وأنه ظل، رغم ذلك، دون تجسيد على أرض الواقع، مع التأكيد على أهميته في تخفيف العبء عن الأسر والطلبة وتحويل تامنصورت إلى قبلة علمية تابعة لجامعة القاضي عياض.
وفي تطور أحدث، طرح سؤال برلماني آخر موضوع إطلاق مشاريع بعض المركبات الجامعية، مشيراً صراحة إلى أن مشروع المركب الجامعي بتامنصورت «Marrakech Tech» كان يفترض أن يشكل محركاً للتكوين الجامعي والاقتصاد المعرفي، وأن المشاكل الإدارية حالت دون تنفيذه، قبل أن يصبح من الضروري، بحسب مضمون السؤال، التفكير جدياً في إحياء المشروع بعد استنفاد مراحل التقاضيوهنا تبرز مفارقة لافتة: فالمشروع الذي كان يفترض أن يساهم في إخراج تامنصورت من حالة الركود وتحويلها إلى قطب حضري جامعي، أصبح هو نفسه واحداً من الملفات التي تنتظر الحسم وإعادة الإطلاق.
أما بخصوص مبلغ 300 مليون درهم، أي 30 مليار سنتيم، الذي ارتبط في السنوات الأخيرة بالمشروع، فقد أصبح بدوره محور تساؤلات متزايدة في الخطاب العمومي والإعلامي حول مصير الاعتمادات المرصودة حيث تفيد معطيات منشورة سنة 2025 بأن جامعة القاضي عياض كانت قد حصلت على اعتمادات بقيمة 300 مليون درهم لإنجاز وبناء مشروع المركب الجامعي، دون أن يتحقق الإنجاز الميداني وفق ما كان منتظراً.
غير أن من المهم التمييز بين هذا الغلاف المالي وبين المعطيات الأقدم الخاصة بالتصور الشامل للمركب، إذ سبق أن أعلنت جامعة القاضي عياض رسمياً عن برنامج أكبر بكلفة 1.1 مليار درهم مخصص للمركب الجامعي ضمن برنامج تنموي شامل للمدينة الجديدة، وبالتالي، فإن الأرقام المتداولة لا تبدو بالضرورة متناقضة، وإنما قد ترتبط بمراحل أو مكونات أو اعتمادات مختلفة من المشروع، وهو ما يستدعي توضيحاً رسمياً دقيقاً حول الكلفة الإجمالية المحينة، والاعتمادات التي تم صرفها فعلياً، وما تبقى منها، ومآل الصفقات والدراسات المرتبطة بالمشروع.
وبين وعود انطلاق الأشغال التي تعاقبت على مدى سنوات، وتصريحات رسمية أكدت في مراحل مختلفة جاهزية الدراسات أو قرب إطلاق الشطر الأول، وبين عراقيل عقارية وقضائية وإدارية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: متى يتحول مشروع المركب الجامعي بتامنصورت من مخططات واتفاقيات واعتمادات وأسئلة برلمانية إلى واقع ملموس فوق الأرض؟

