جلالة الملك يئد الفتنة في مهدها ويُخرس الأصوات النشاز


حرر بتاريخ | 01/23/2026 | من طرف أسماء ايت السعيد

لم يكن بلاغ الديوان الملكي الصادر في أعقاب اختتام الدورة الـ35 لكأس إفريقيا للأمم (كان 2025) مجرد بروتوكول للإشادة بنجاح هذه التظاهرة القارية وشكر كل من ساهم في ذلك؛ بل جاء كوثيقة استراتيجية ترسم بوضوح ملامح العلاقة بين المملكة وعمقها القاري، وتضع النقاط على الحروف في مواجهة مناورات التشهير التي حاولت النيل من نجاح مغربي أجمع العالم على تميزه.

معلوم، أن الدقائق الأخيرة من موقعة “المغرب والسنغال” كانت اختبارا عسيرا لأعصاب المغاربة؛ فالتصرفات التي شابت النهائي لم تكن مجرد أخطاء، بل كانت “استفزازا” مباشرا للروح الرياضية المغربية، وخلقت مشاعر كان من السهل معها الانزلاق نحو ردود فعل عاطفية، قد تمس بروابط الأخوة الإفريقية؛ وهنا تبرز دلالة البلاغ الملكي الذي جاء لإعادة توجيه النقاش العام، وضبط إيقاع الانفعال الشعبي في لحظة دقيقة، بعدما برز خطر حقيقي يتمثل في انزلاق بعض الأصوات نحو تعميمات خطيرة تمس بروابط الأخوة الإفريقية، وتغذي سرديات التقسيم والكراهية.

البلاغ الملكي، اختار لغة هادئة، لا تنكر الوقائع ولا تبررها، لكنها تعزلها في إطارها الظرفي، وتضعها في مقابل التاريخ المشترك والمصير الواحد لشعوب القارة؛ لقد جاء ليضع “الفرامل” أمام دعوات التفرقة، مذكرا بأن قوة المغرب تكمن في قدرته على التسامي. 

وفي فقرة بالغة الأهمية، وجه صاحب الجلالة رسالة حازمة إلى كل من حاول استغلال “الأحداث المؤسفة” التي شابت الدقائق الأخيرة من النهائي ضد السنغال؛ مؤكدا أن المخططات المعادية التي تحاول زرع “الضغينة والتفرقة” لن تبلغ مرادها، مراهنا في ذلك على وعي الشعب المغربي.

إن المراهنة الملكية على قدرة المغاربة على التمييز بين “انفعالات الميدان” وبين “الروابط التاريخية” تعكس مناعة داخلية صلبة، وتؤكد أن المغرب يترفع عن الانزلاق إلى مستنقع السجالات الضيقة التي تروج لها جهات تسعى لخدش مصداقية المملكة.

إن جوهر الرسالة الملكية يكمن في قطع الطريق على أعداء البلاد؛ فالمملكة تدرك جيدا أن هناك قوى تتربص بنجاحاتها، وتحاول استغلال أي “ثغرة عاطفية” لعزل المغرب عن محيطه القاري…فالذين فشلوا في مواجهة المغرب دبلوماسيا وميدانيا، حاولوا المراهنة على “سيكولوجية الجماهير” لزرع الضغينة، لكن الرد الملكي جاء حاسما: “الشعب المغربي يدرك كيف يميز بين الأمور”.

البلاغ الملكي أعاد تذكيرنا بالصورة الكبيرة؛ فالمغرب اليوم يحتل المرتبة الثامنة عالميا، ويمتلك بنية تحتية أبهرت العالم، ويحتضن مواهب “مغاربة العالم” الذين اختاروا الوطن بكل فخر؛ هذه المكتسبات هي “الكأس الحقيقية” التي لا يمكن لنتيجة مباراة واحدة أن تسلبها منا.

إن الرسالة العميقة التي يكرسها هذا البلاغ هي أن المغرب، بفضل الرؤية المتبصرة لجلالة الملك، اختار أن يكون “قاطرة” لإفريقيا، لا مجرد منافس فيها؛ والوفاء لروح الأخوة والتضامن هو التزام استراتيجي لا يتأثر بـ”انفعال لحظي” أو “استفزاز عارض”.

ورغم “التصرفات المشينة” التي سُجلت، كان البلاغ حريصا على تغليب منطق “الأخوة الإفريقية”؛ فالمغرب، بلسان جلالة الملك، يعتبر أن نجاحه هو “نجاح لإفريقيا كلها”.

هذه الروح التضامنية هي الرد المفحم على محاولات العزل أو التشويش؛ فالمملكة ستظل، كما جاء في البلاغ، “وفية لروح الإخوة والاحترام”، وهي ملتزمة بتقاسم خبراتها وتجاربها من أجل “إفريقيا موحدة ومزدهرة”.

لقد أكد البلاغ، بشكل غير مباشر، أن قوة المغرب لا تكمن فقط في ملاعبه الحديثة أو نتائجه الرياضية المتقدمة، بل في نضج مجتمعه، وقدرته على استيعاب الخسارة دون السقوط في فخ الكراهية، وعلى الاحتفاء بالنجاح دون الغرور. 

إن الدرس الأبرز الذي يحمله البلاغ الملكي هو أن الرهانات الحقيقية تتجاوز المستطيل الأخضر، لتلامس موقع المغرب داخل قارته وخياراته الاستراتيجية بعيدة المدى؛ فالانتصار الحقيقي ليس في رفع الكؤوس فقط، بل في صون وحدة الصف، والحفاظ على عمق إفريقي ظل، وسيظل، أحد أعمدة السياسة المغربية.

وبذلك، يرسخ المغرب، مرة أخرى، صورته كدولة تعرف كيف تدبر النجاح، وكيف تحتوي الخسارة، والأهم كيف تحوّل اللحظات الحرجة إلى فرص لإعادة التأكيد على ثوابتها الكبرى.