ملف الاحد/ ضعف النقل العمومي بمراكش يغذي الاختناق المروري ويضاعف معاناة التنقل


حرر بتاريخ | 11/08/2026 | من طرف خليل الروحي

لم يعد الاختناق المروري الذي تعرفه مدينة مراكش مرتبطاً فقط بتزايد أعداد السيارات والدراجات النارية، بل أصبح يطرح سؤالاً أعمق يتعلق بمدى قدرة منظومة النقل العمومي على توفير بدائل حقيقية ومريحة تتيح للمواطنين التنقل بين مختلف الأحياء والمناطق دون الاضطرار إلى امتلاك سيارة خاصة أو الاعتماد اليومي على سيارات الأجرة.

فبين محدودية بعض الخطوط، وتفاوت وتيرة الرحلات، والاكتظاظ خلال ساعات الذروة، وصعوبات الربط بين مركز المدينة وأطرافها، يجد عدد من السكان أنفسهم أمام خيارات محدودة، تجعل التنقل اليومي رحلة تستنزف الوقت والجهد والقدرة الشرائية، خصوصاً بالنسبة إلى العمال والطلبة الذين يرتبطون بمواعيد يومية لا تحتمل التأخير.

ويظهر الارتباط المباشر بين أزمة النقل العمومي والاختناق المروري في كون محدودية الحافلات أو عدم انتظام رحلاتها يدفع شريحة من المواطنين إلى البحث عن بدائل أخرى، غالباً ما تتمثل في استعمال السيارات الخاصة والدراجات النارية أو الاعتماد المتكرر على سيارات الأجرة وحتى سيارات النقل عبر التطبيقات، حتى بالنسبة إلى تنقلات كان من الممكن أن تتم عبر النقل الجماعي الذي يعتبر حلا مثاليا في دول اخرى لتفادي الاختناقات المرورية.

ومع تزايد هذه الاختيارات الفردية، يرتفع عدد المركبات التي تجوب الشوارع والمحاور نفسها، فتتضاعف الضغوط على البنية الطرقية، خصوصاً خلال فترات الذروة التي تتزامن فيها تنقلات الموظفين والعمال والطلبة مع الحركة التجارية والسياحية، وهكذا، تتحول محدودية العرض في النقل العمومي من مجرد إشكال خدماتي إلى عامل إضافي يغذي الاختناق المروري، ويزيد من صعوبة تدبير حركة السير داخل المدينة.

ولا تقف انعكاسات هذا الوضع عند ارتفاع عدد السيارات والدراجات النارية، بل تمتد أيضاً إلى أداء وسائل النقل الجماعي نفسها، إذ تجد الحافلات وسيارات الأجرة التي يفترض أن تشكل بديلاً عن المركبات الخاصة نفسها عالقة في الاختناقات ذاتها، ما يؤدي إلى إطالة زمن الرحلات وتأخر الوصول إلى المحطات والوجهات النهائية، ويضعف جاذبية النقل العمومي لدى مستعمليه.

وتبرز هنا حلقة مفرغة يصعب كسرها دون مقاربة متكاملة فضعف جاذبية النقل الجماعي يدفع نحو مزيد من استعمال وسائل النقل الفردية، فيما يؤدي تزايد هذه الأخيرة إلى إبطاء حركة الحافلات وسيارات الأجرة، وبالتالي إلى مزيد من تراجع جودة الخدمة وهو ما يجعل تحسين النقل العمومي، عبر توسيع التغطية المجالية، وضمان انتظام الرحلات، وتوفير ممرات أو أولوية مرورية للحافلات، وتعزيز الربط بين مختلف الوسائل، أحد المداخل الأساسية لتخفيف الضغط عن شوارع مراكش، وليس مجرد إجراء لتحسين خدمات التنقل.

وقد دخل قطاع النقل الحضري وشبه الحضري بمراكش مرحلة جديدة في دجنبر 2025، مع انتقال تدبير الشبكة من شركة «ألزا» إلى «سوبراتور»، بعد 26 سنة من تدبير الشركة الإسبانية لهذا المرفق.

وجاء العقد الجديد بتصور لشبكة تضم 67 خطاً تمتد على مسافة إجمالية تناهز 1342,7 كيلومتراً، مع برمجة أسطول يصل إلى 349 حافلة، فيما كان عدد الحافلات الموضوعة رهن الخدمة عند بداية التشغيل يبلغ 207 حافلات، منها 158 حافلة حضرية و49 حافلة شبه حضرية، وهي أرقام عكست طموحاً لإعادة هيكلة العرض وتحسين التغطية المجالية، غير أن الرهان الأساسي لا يتوقف عند تجديد الأسطول وحده، بل يرتبط بمدى ملاءمة توزيع الحافلات والخطوط لحاجيات السكان، واحترام مواعيد الرحلات، وتقليص فترات الانتظار، وضمان توفر الحافلات خلال فترات الضغط الصباحي والمسائي.

وتكشف دراسة أكاديمية منشورة سنة 2024 حول الولوج إلى خدمات النقل العمومي بمراكش، اعتماداً على التحليل المجالي ونظم المعلومات الجغرافية، عن وجود تفاوتات واضحة في توزيع الخدمة، إذ خلصت إلى أن حوالي 62 في المائة من الوجهات التي شملتها الدراسة لم تكن تتوفر على ولوج إلى خدمات الحافلات، مقابل 0,73 في المائة فقط التي سجلت مستوى ولوج جيداً جداً.

كما ربطت الدراسة بين تراجع إمكانية الوصول إلى النقل العمومي وضعف وتيرة الحافلات، بما يبرز أن توسيع الشبكة لا يتعلق فقط بإضافة خطوط جديدة، وإنما أيضاً بتقوية عدد الرحلات وتحسين انتظامها. ورغم أن هذه الدراسة سبقت دخول الشبكة الجديدة حيز الاستغلال، فإن نتائجها تطرح أهمية إعادة تقييم التغطية المجالية بعد التغيير الذي عرفه القطاع.

وعلى مستوى جودة الخدمات، لا تزال بعض التفاصيل اليومية تشكل مصدر إزعاج لمستعملي الحافلات، من بينها صعوبة التعرف على المسارات ومواعيد المرور في بعض المحطات، فضلاً عن محدودية خيارات الأداء والاستفادة من تعريفة ملائمة لفئات محددة.

وفي هذا السياق، أشار تقرير صحفي نشرته «إكسبريس تيفي» في غشت 2026 إلى أن بعض المحطات بمحيط جامع الفنا لا تتوفر على خرائط واضحة للشبكة أو جداول زمنية للرحلات، كما تحدث عن استمرار الأداء نقداً داخل الحافلات وغياب بطاقات الاشتراك والتعريفة الخاصة بالطلبة، وهي تفاصيل تعيد النقاش حول ضرورة تطوير الخدمات المرافقة للحافلات، وليس الاكتفاء بتحديث المركبات.

وتبدو إشكالية النقل أكثر وضوحاً بالمناطق الواقعة على أطراف مراكش، حيث يتحول الوصول إلى وسط المدينة إلى تحد يومي بالنسبة إلى فئات واسعة من السكان. وتقدم تامنصورت نموذجاً بارزاً في هذا السياق، بعدما عادت معاناة ساكنتها مع النقل العمومي إلى الواجهة، رغم دخول الحافلات الجديدة الخدمة.

قد رصدت «كشـ24» في تحقيق ميداني نشرته مطلع نونبر الجاري اعتماد الربط المباشر بين تامنصورت ومراكش على خطين أساسيين، هما 441A و441B، ينطلقان من ملحقتي الفتح والأطلس، في وقت تظل فيه إشكالية التنقل الداخلي بين أحياء المدينة والوصول إلى محطات الحافلات قائمة. كما نقل التحقيق شهادات لعمال ومواطنين تحدثوا عن عدم انتظام فترات الانتظار والاكتظاظ، وعن اضطرارهم إلى استعمال وسائل نقل إضافية للوصول إلى أماكن العمل والدراسة، بما يرفع التكلفة الإجمالية للتنقل.

ولا تتوقف المعضلة عند عدد الحافلات أو مساراتها، بل تمتد إلى مدى تكامل وسائل النقل المختلفة، خصوصاً سيارات الأجرة الصغيرة والكبيرة، التي تشكل مكوناً أساسياً في منظومة التنقل داخل المدينة وبينها وبين المراكز المجاورة. فقد سبق لمهنيين في قطاع سيارات الأجرة الصغيرة أن نبهوا، في تصريحات لـ«كشـ24»، إلى الصعوبات التي يواجهها القطاع خلال ساعات الذروة، حيث أكد حسن ميسين، الكاتب الإقليمي لنقابة مهنية، أن عدد سيارات الأجرة بمراكش لا يتجاوز، وفق تقديره، 3600 سيارة، معتبراً أن هذا العدد لا يستجيب لحجم الطلب اليومي، خاصة في ظل غياب ممرات مخصصة تساعد سيارات الأجرة على تقديم خدماتها في ظروف مناسبة.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن نحو 90 في المائة من هذه السيارات تجد نفسها عالقة في الاختناق المروري خلال فترات الضغط، وهو ما يحد من قدرتها على الاستجابة لطلبات المواطنين في الوقت المناسب.

وإلى جانب هذه الإكراهات، تبرز الحاجة إلى تنظيم أفضل لمحطات توقف سيارات الأجرة وتطوير الربط بينها وبين محطات الحافلات، حتى لا يجد المواطن نفسه مضطراً إلى قطع مسافات طويلة أو استعمال وسيلة نقل ثانية وثالثة للوصول إلى وجهته النهائية.

فالمعيار الحقيقي لنجاعة النقل العمومي لا يتعلق فقط بثمن التذكرة أو عدد الحافلات المتوفرة، وإنما بالكلفة الإجمالية للرحلة، والوقت المستغرق من باب المنزل إلى مقر العمل أو المؤسسة التعليمية، ومدى إمكانية الاعتماد على وسيلة النقل في مواعيد منتظمة، وهو ما يطرح تساؤلات حول البدائل المتاحة أمام العمال والطلبة والأسر التي لا تتوفر على سيارات خاصة، ومدى قدرة المنظومة الحالية على تقليص اعتماد المواطنين على الدراجات النارية والسيارات الخاصة، بدل أن تدفعهم محدودية الخدمات إلى مزيد من استعمالها.

وفي مواجهة هذه التحديات، يجري إعداد مخطط التنقل الحضري المستدام لمراكش الكبرى، الذي يفترض أن يرسم معالم منظومة التنقل خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، مع التركيز على تحسين العرض وتطوير وسائل النقل الحديثة، وتعزيز التكامل بين الخطوط والمواعيد، وتحسين الربط بين الأحياء ومراكز النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

وقد دخلت الدراسة، خلال نونبر الجاري، مرحلة التشخيص الميداني، من خلال برمجة استطلاعات تشمل 5000 أسرة، وأكثر من 10 آلاف بحث حول مسارات التنقل ومصدر الوجهات ووجهتها، إلى جانب إحداث 62 نقطة لاحتساب حركة المركبات، ويشمل مجال الدراسة 50 جماعة يبلغ مجموع سكانها حوالي 2,47 مليون نسمة وفق إحصاء 2024، ما يعكس اتساع التحدي من حدود المدينة إلى مجالها الحضري والإقليمي المحيط.

ويبقى التحدي المطروح أمام الجهات المشرفة على القطاع هو الانتقال من توفير وسائل النقل إلى بناء منظومة متكاملة تجعل الحافلة وسيارة الأجرة ووسائل التنقل الأخرى حلقات متصلة، تضمن للمواطن الوصول إلى وجهته بأقل وقت وكلفة ممكنة، لان مراكش، التي تتوسع عمرانياً وتتزايد حاجياتها اليومية من التنقل، تحتاج إلى نقل عمومي لا يقتصر دوره على نقل الركاب بين محطات محدودة، بل يوفر بديلاً عملياً وموثوقاً عن السيارة الخاصة والدراجة النارية، ويخفف في الوقت نفسه الضغط عن شوارع المدينة واختناقاتها المتكررة.