أكدت الولايات المتحدة الأمريكية، عقب فشل تمرير مشروع قرارها داخل مجلس الأمن بشأن الصحراء المغربية، أن الإبقاء على الصيغة الحالية لتدبير الملف لم يعد خيارا قابلا للاستمرار، معتبرة أن التصور الذي ارتبط منذ عقود بتنظيم استفتاء لتقرير المصير بات متجاوزا في ظل تعذر تطبيقه على أرض الواقع.
وجاء الموقف الأمريكي بعد استخدام روسيا حق النقض لإسقاط مشروع القرار الذي أعدته واشنطن، رغم حصوله على دعم 11 عضوا في مجلس الأمن، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت، وهو ما أعاد النقاش داخل المجلس إلى مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء وطبيعة المهمة التي يفترض أن تضطلع بها خلال المرحلة المقبلة.
وفي مداخلة أعقبت التصويت، حاول الممثل الأمريكي إعادة وضع مسألة الاستفتاء ضمن سياقها التاريخي، مستندا إلى مواقف وتقارير صادرة عن مسؤولين أمميين سابقين، قال إنها تؤكد أن المنظمة الدولية واجهت، على مدى سنوات طويلة، صعوبات متكررة حالت دون تنفيذ هذا الخيار.
وأشار الدبلوماسي الأمريكي إلى أن مسار الاستفتاء اصطدم منذ تسعينيات القرن الماضي بإشكالات مرتبطة أساسا بتحديد الهيئة الناخبة، مذكرا بأن الأمين العام الأسبق بطرس غالي كان قد أبدى، في وقت مبكر، شكوكا بشأن إمكانية إنجاز العملية، قبل أن يقرر مجلس الأمن تعليقها سنة 1996 بسبب الخلافات حول تحديد الأشخاص الذين يحق لهم المشاركة فيها.
كما استحضر مواقف الأمين العام الأسبق كوفي عنان، الذي تحدث، بحسب الرواية الأمريكية، عن تراجع فرص إجراء الاستفتاء في أكثر من مناسبة، وصولا إلى سنة 2002، حين خلص بالتعاون مع مبعوثه الشخصي جيمس بيكر إلى أن تنفيذ الخطة أصبح أمرا بعيد الاحتمال، وجرى طرح سيناريوهات أخرى أمام مجلس الأمن، من بينها إنهاء مهمة البعثة الأممية.
وأضافت واشنطن أن تقييمات لاحقة لم تكن أكثر تفاؤلا، إذ أشارت إلى أن تنظيم الاستفتاء، حتى في حال حدوثه، لا يضمن بالضرورة قدرة مجلس الأمن على تنفيذ نتائجه، فيما اعتبر مسؤول أممي سابق في 2005 أن الخطة وصلت إلى طريق مسدود.
وبناء على هذه المعطيات، رأت الولايات المتحدة أن استمرار كلمة «الاستفتاء» في الاسم الرسمي للبعثة يعكس، من وجهة نظرها، مرجعية لم يعد بالإمكان ترجمتها إلى واقع عملي.
وشدد ممثلها في المجلس على أن رفض بلاده لهذا الخيار لا يعني التخلي عن مبدأ تقرير المصير، موضحا أن هذا المبدأ يمكن أن يجد تعبيرا له عبر صيغ سياسية متعددة.
واعتبرت واشنطن أن التصويت على مشروع القرار الأمريكي، كان سيشكل نقطة تحول في التعامل مع نزاع طال أمده، ويسمح بإعادة إطلاق المسار السياسي على أسس جديدة، بدلا من الاستمرار في إدارة وضع اعتبرته الولايات المتحدة جامدا منذ عقود.
كما ركزت المداخلة الأمريكية على البعد الإنساني للنزاع، حيث حذر ممثل واشنطن من أن استمرار الوضع الحالي يعني بقاء أجيال جديدة في ظروف اللجوء بمخيمات تندوف.
واستشهد بمعطيات أورد أنها وردت في تقارير أممية حديثة، تتحدث عن مستويات مرتفعة من فقر الدم وسوء التغذية ومشكلات النمو لدى الأطفال داخل المخيمات.
وبحسب الأرقام التي أوردها الدبلوماسي الأمريكي، يعاني حوالي ثلثي الأطفال الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات من فقر الدم، بينما يعاني نحو ثلثهم من توقف النمو، في حين لا يحصل سوى واحد من كل عشرة أطفال على الحد الأدنى الموصى به من التغذية الصحية.
واعتبرت الولايات المتحدة أن استمرار هذه الأوضاع لنصف قرن أدى إلى انتقال معاناة اللجوء من جيل إلى آخر، مؤكدة أنها لا ترى في استمرار الوضع الحالي حلا يمكن الدفاع عنه أو تمديده إلى عقود إضافية.
وفي الجانب السياسي، ربطت واشنطن مقترحها بالتحولات التي شهدها موقف مجلس الأمن خلال الفترة الأخيرة، ولا سيما القرار رقم 2797 الذي قالت إنه جعل المقترح المغربي للحكم الذاتي أساسا للمفاوضات، إلى جانب الدعوة إلى إجراء مراجعة استراتيجية لمهمة البعثة الأممية.
وكشف ممثل الولايات المتحدة أن واشنطن أجرت ثلاث جولات من المحادثات رفيعة المستوى مع الأطراف المعنية بالملف، بمشاركة الأطراف الأربعة إلى جانب طرفين بصفة مراقب، موضحا أن هذه اللقاءات تناولت مجموعة واسعة من القضايا المرتبطة بأي تسوية مستقبلية، من بينها ضمانات الحكم الذاتي، والتمثيل، والأمن، وتدبير الموارد، والحماية الدستورية، والضمانات الدولية، فضلاً عن ملفات الانتقال والتسريح.
واعتبر أن هذه المشاورات كانت تهدف إلى بلورة عناصر تسوية سياسية قابلة للاستمرار، وأن مشروع القرار الأمريكي جاء في سياق محاولة نقل هذا النقاش من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة البحث عن حل نهائي له.
وفي السياق ذاته، شدد المسؤول الأمريكي على أن بلاده لن تؤيد العودة إلى الآليات التي أثبتت، وفق تقييمها، عدم فعاليتها، كما رفضت استمرار تسمية البعثة بما يحيل إلى الاستفتاء، مؤكدا استعداد واشنطن للتنسيق مع الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الخطوات التي ستلي التصويت.
وبخصوص مستقبل «المينورسو»، أوضح ممثل واشنطن أن تعثر مشروع القرار سيؤدي إلى مرحلة جديدة من المشاورات، مع التأكيد على أن أي إعادة هيكلة أو تقليص محتمل لمكونات البعثة ينبغي أن يتم بشكل تدريجي ومنظم، مع ضمان سلامة العاملين الأمميين ومراعاة الجوانب الأمنية والإنسانية.
كما جددت الولايات المتحدة التزامها بمواصلة التنسيق مع المبعوث الشخصي للأمين العام إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، ومع مختلف الأطراف، بهدف الدفع نحو استئناف مفاوضات تفضي إلى تسوية سياسية دائمة، رغم إسقاط مشروعها داخل مجلس الأمن.
وكانت روسيا قد استخدمت، في وقت سابق من مساء الجمعة، حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي، بعدما حصل النص على تأييد 11 عضوا من أصل 15، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت.
وبذلك حال الفيتو الروسي دون اعتماد المقترح الذي كانت واشنطن قد قدمته لإعادة تحديد الإطار السياسي ومهام البعثة الأممية.
وكان المشروع الأمريكي يتضمن تمديد ولاية البعثة إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع اقتراح تغيير اسمها من «مينورسو» (MINURSO) إلى «مينوسو» (MINUSO)، إلى جانب اعتماد مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا حصريا للمفاوضات، وتقليص المكون العسكري للبعثة بنسبة 50 في المائة، فضلا عن الدعوة إلى إجراء إحصاء لسكان مخيمات تندوف خلال ستة أشهر.

