يعمل المغرب على إعادة بناء هيكله في مجالات النقل والطاقة والصناعة بالكامل، في إطار استعداداته لبطولة كرة القدم، وتظهر أسماء الشركات الصينية بوضوح كبير في قائمة مشاريعه.
في الرباط، في 17 شتنبر 2026، وقع ممثل وزير المالية المكلف بالميزانية في المغرب والممثل المقيم لبنك التنمية الأفريقي في المغرب اتفاقيتين، بحضور المدير العام للمكتب الوطني للسكك الحديدية.
بلغت القيمة الإجمالية للاتفاقيتين 405 ملايين يورو (نحو 437.4 مليون دولار): 205 ملايين يورو (نحو 221.4 مليون دولار) مخصصة للبنية التحتية للسكك الحديدية، بهدف أساسي هو رفع القدرة الاستيعابية وكفاءة التشغيل على ممر القنيطرة–مراكش، و200 مليون يورو (نحو 216 مليون دولار) لبرنامج تنمية المهارات «Cap Compétences 2030»، الذي يهدف إلى تحسين جودة التكوين المهني، وتوسيع نطاق الوصول إليه، وتعزيز رقمنة الخدمات.
هناك استثمار يوجه نحو السكك، وآخر نحو البشر. وهذه ليست مجرد صفقة تمويل عادية. وعند النظر إليها ضمن الجدول الزمني للمغرب، تظهر أولوية واضحة: تبقى نحو 1400 يوم حتى انطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم للرجال في 2030.
من البراق إلى ممر القنيطرة–مراكش
تبدأ القصة قبل سبع سنوات. في 2018، افتتح المغرب خط «البراق»، وهو أول خط سكة حديد فائق السرعة في القارة الأفريقية، يربط مدينة طنجة المينائية الشمالية بالقنيطرة.
وقد قلص الخط مدة الرحلة بين طنجة والدار البيضاء من خمس ساعات إلى ساعتين وعشر دقائق. وأصبحت السكك الحديدية فائقة السرعة منذ ذلك الحين أحد أقوى الرموز الوطنية للمغرب، رغم أن البلاد تطمح إلى أكثر من ذلك.
في 24 أبريل 2025، انطلقت أشغال المرحلة الثانية من الخط السريع رسميا من محطة الرباط–أكدال. وتشمل الأرقام الرئيسية 430 كيلومترا من المسار الجديد الممتد جنوبا من القنيطرة، ليربط العاصمة الرباط، والدار البيضاء، كبرى المدن، ومراكش، المركز الجنوبي المهم، بسرعة تصميمية تبلغ 350 كيلومترا في الساعة، واستثمار إجمالي يبلغ نحو 96 مليار درهم مغربي (نحو 10.3 مليارات دولار).
والهدف هو افتتاح الخط قبل كأس العالم 2030. وبعد التشغيل، ستتقلص مدة الرحلة بين الدار البيضاء ومراكش إلى نحو ساعة و15 دقيقة. ويخدم المسار أيضا مطارين، ويشكل ممرا سريعا من طنجة إلى مراكش، ويدخل ضمن شبكة السكك الحديدية فائقة السرعة المخطط لها، والبالغ طولها 1500 كيلومتر، في إطار رؤية المغرب لعام 2035.
وهذا ليس مجرد خط سكة حديد، بل هو شريان النقل بين شمال المغرب وجنوبه، والحل الأساسي لتدفقات الركاب بين المدن خلال كأس العالم.
الشركات الصينية في قلب البناء
الجانب الأبرز للقراء الصينيين في المرحلة الثانية هو أن الشركات الصينية تشكل قوة أساسية في عقود الأشغال المدنية، كما تظهر نتائج المناقصات العمومية. فقد فازت مجموعة شاندونغ هاي-سبيد بالقطعة الثانية للأشغال المدنية لقسم القنيطرة–مراكش، بطول 63.07 كيلومترا، وبقيمة 4.05 مليارات درهم (نحو 435 مليون دولار)، أي نحو 3 مليارات يوان صيني (نحو 416 مليون دولار)، وهو أكبر عقد للأشغال الأرضية.
وتتولى مجموعة مكتب السكك الحديدية الصيني العشرين بناء القطعة الخامسة، التي تغطي 35.4 كيلومترا من المنشآت السفلية والجسور، وقد بدأت الأشغال في 12 يوليو 2025. ويتولى المكتب رقم 5 لشركة سينوهايدرو، التابعة لباور تشاينا (PowerChina)، بناء نفق بطول 2814 مترا يمر عبر قلب الرباط. وحصلت مجموعة غيزهوبا، التابعة لمؤسسة طاقة الصين الهندسية، على القطعة التاسعة للأشغال المدنية. ومن المقاولين الإضافيين مجموعة السكك الحديدية الصينية رقم 4، والمجموعة الصينية للهندسة في الخارج، وغيرهما.
وقد نفذت السكك الحديدية الصينية الأشغال المدنية للمرحلة الأولى، طنجة–القنيطرة، بينما قدمت شركة ألستوم الفرنسية العربات وأنظمة الإشارات. ويشارك في توريد القاطرات والعربات للمرحلة الثانية شركات فرنسية وإسبانية وكورية. وهذا النمط كاشف: الشركات الصينية تنجز البناء المدني، والموردون الأوروبيون يوفرون المعدات.
ويلتزم المغرب بالمعايير التقنية الأوروبية، لكنه اختار الفرق الصينية لضمان التسليم في الموعد المحدد. كما ذكرت مجموعة شاندونغ هاي-سبيد بوضوح في تقريرها الخاص بالاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة أنه، بعد الإنجاز، لن يخدم المشروع تدفقات الركاب بين المدن لكأس العالم فحسب، بل سيقدم أيضا «حلا صينيا» لنقل الركاب في الفعاليات الدولية الكبرى.
استعدادات تتجاوز الملاعب
إن استعدادات المغرب لكأس العالم 2030 تعادل تجديدا وطنيا للبنية التحتية، وأي شخص يعتقد أنها مجرد بناء ملاعب يقلل من حجم المشروع. وقد خصص ما بين 50 و60 مليار درهم (نحو 5.4 إلى 6.5 مليارات دولار)، أي نحو 4 إلى 4.8 مليارات جنيه إسترليني (نحو 5.1 إلى 6.1 مليارات دولار)، للمنشآت الكروية.
والمشروع الرائد هو ملعب الحسن الثاني الكبير، الذي يقع على بعد نحو 38 كيلومترا شمال شرق الدار البيضاء في إقليم بن سليمان. وبسعة 115 ألف مقعد، سيصبح أحد أكبر الملاعب في العالم، بتكلفة تبلغ نحو 5 مليارات درهم (نحو 500 مليون دولار).
وقد صممه بشكل مشترك المكتب البريطاني بوبولوس (Populous) والمكتب المغربي وعلالو آند تشوي (Oualalou + Choi)، بتصميم مستوحى من خيام الموسم التقليدية المغربية. ومن المقرر الانتهاء منه في 2028، أي قبل عامين من كأس العالم، بهدف استضافة المباراة النهائية.
وتبلغ تكلفة تجديد المجمع الرياضي بفاس 2.816 مليار درهم (نحو 304 ملايين دولار)، بهدف خفض استهلاك الطاقة بنسبة لا تقل عن 30%، واستهلاك المياه بنسبة لا تقل عن 40%، والسعي إلى الحصول على شهادة الجودة البيئية العالية «إتش كيو إي» (HQE) للبنية التحتية المستدامة.
أما قطاع النقل، فهو الأولوية الحقيقية. ووفقا لوزير النقل واللوجستيك في المغرب، ستتوسع شبكة الطرق السيارة بنسبة 40%، بإضافة 763 كيلومترا، وتبلغ قيمة خطط تحديث المطارات والسكك الحديدية نحو 14 مليار دولار أمريكي. وستتضاعف القدرة الاستيعابية السنوية للمطارات من 40 مليون مسافر إلى 80 مليونا بحلول نهاية العقد.
ولتأمين الوصول إلى ملعب الحسن الثاني الكبير وحده، أطلقت الشركة الوطنية للطرق السيارة في المغرب مناقصات بقيمة نحو 39.6 مليون درهم (نحو 4.25 ملايين دولار) للطرق والإضاءة وأنظمة السلامة.
وفي قطاع السياحة، استقبل المغرب نحو 20 مليون زائر في 2025، بزيادة نسبتها 14% عن العام السابق، وساهم القطاع بنحو 7% في الناتج المحلي الإجمالي. والهدف لعام 2030 هو استقبال 26 مليون سائح، مما يتطلب إضافة ما بين 100 ألف و150 ألف سرير فندقي. وتقدر بعض الجهات إجمالي تكلفة المشاريع المرتبطة بكأس العالم بنحو 20 مليار دولار أمريكي، أي ما يقرب من 12% من الناتج المحلي الإجمالي للمغرب.
الاستثمار في البشر
نعود إلى حزمة التمويل البالغة 405 ملايين يورو (نحو 437.4 مليون دولار). قد يبدو برنامج «Cap Compétences 2030»، بقيمة 200 مليون يورو (نحو 216 مليون دولار)، أقل إثارة من السكك الحديدية، لكن منطقه متين. فالقطارات السريعة تحتاج إلى موظفين محليين لقيادتها وصيانتها وتنظيم حركتها، وتحتاج الملاعب والمدن إلى عدد كبير من العمال المهرة. وسيساعد توسيع التكوين المهني وتحسينه على تحويل الطلب على اليد العاملة خلال فترة البناء إلى فرص عمل مستقرة طويلة الأمد.
وقد اختبر المغرب هذا النموذج. واعتبرت السلطات كأس الأمم الأفريقية التي أقيمت في البلاد هذا العام «اختبار ضغط» رسميا، إذ أحدثت أثرا اقتصاديا يقدر بنحو 1.17 مليار دولار أمريكي، ووفرت نحو 100 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وأدخلت 3 آلاف شركة محلية في سلاسل التوريد التي تشمل اللوجستيك والضيافة والمطاعم والأمن والخدمات.
وتقول السلطات إن المشاريع التي كانت تستغرق عادة عقدا من الزمن أنجزت في نحو عامين، وإن نحو 80% من البنية التحتية المطلوبة لعام 2030 قيد الإنجاز بالفعل.
حسابات المالية العمومية
في النهاية، يقع عبء حسابات الاستثمار الكبرى على المالية العمومية. وتصف وكالات التصنيف الدولية التوقعات بأنها «مستقرة لكن تحت ضغط».
في 20 شتنبر، أكدت وكالة فيتش التصنيف السيادي طويل الأجل للمغرب عند درجة «بي بي بلس» (BB+)، مع نظرة مستقرة، مستشهدة بالسياسات الاقتصادية الكلية السليمة، واحتياطيات السيولة الخارجية الكافية، والدعم القوي من الدائنين الرسميين.
لكنها أشارت إلى مخاطر ملحوظة؛ فمن المتوقع أن يتسع عجز ميزانية الحكومة المركزية إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، بعد أن كان 3.5% في 2025، نتيجة ارتفاع تكاليف دعم البوتان بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة التحويلات لمشغلي النقل وشركات المرافق.
ومن المتوقع أن يبلغ متوسط الإنفاق الرأسمالي 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا، مع توجيه جزء كبير منه عبر الشركات المملوكة للدولة والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وهو ما حددته فيتش صراحة بوصفه مخاطر مالية خارج الميزانية.
ومن المتوقع أن يظل دين الحكومة المركزية عند نحو 67% من الناتج المحلي الإجمالي في 2028، وهو أعلى بكثير من القيمة الوسيطة لفئة «بي بي» (BB)، البالغة 51%. وسيتباطأ النمو الاقتصادي من 4.9% في 2025 إلى 4% في 2026، متأثرا بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل وضعف الطلب الأوروبي.
وتقدر فيتش أن نحو 70% من المشاريع المرتبطة بكأس العالم تمولها القروض المصرفية المحلية، مما يعني أن النظام المصرفي المغربي معرض بشدة لهذه الدورة الاستثمارية.
وهناك مؤشر آخر يجب متابعته: اتسع العجز التجاري للمغرب بنسبة 26.5%، ليصل إلى 244.7 مليار درهم (نحو 26.3 مليار دولار) في الفترة من يناير إلى يوليو 2026، مع نمو الواردات بسرعة أكبر من الصادرات. ويتوقع البنك المركزي أن يصل عجز الحساب الجاري إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام.
ويقدم الاقتصاديون المحليون تحذيرا رصينا: لن يتحول الزخم الناتج عن الاستثمار والدعاية إلى مكاسب اقتصادية دائمة إلا إذا اقترن بالإصلاحات الهيكلية وبيئة أعمال تنافسية. وإلا فقد تتحول المبادرة إلى مشروع وجاهة مكلف، وهو درس أوضحته تجربة جنوب أفريقيا بعد كأس العالم 2010.
فرص الشركات الصينية ومخاطرها
من منظور الشركات الصينية، هناك ثلاث فرص على الأقل وخطر رئيسي واحد. فنافذة الهندسة والمعدات مفتوحة الآن، وتمثل الفترة من 2026 إلى 2029 ذروة البناء في حملة البنية التحتية بالمغرب. وتتقدم مشاريع السكك الحديدية فائقة السرعة، والطرق السيارة، والمطارات، والملاعب، والتجديد الحضري بالتوازي، مما يخلق طلبا واضحا على الأشغال المدنية، والهياكل الفولاذية، والأنظمة الميكانيكية والكهربائية، ومكونات السكك، وآلات البناء ومواده.
وبعد الدخول عبر عقود الأشغال المدنية للسكك الحديدية فائقة السرعة، قد توسع الشركات الصينية حضورها ليشمل المعدات، وتكامل الأنظمة، والتشغيل والصيانة.
أما التحول الطاقوي، فهو اتجاه أطول أمدا من كأس العالم. ويهدف المغرب إلى بلوغ حصة 52% من الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء بحلول 2030.
وفي 16 شتنبر، دخل مشروع لتخزين الطاقة بقدرة 25 ميغاواط وسعة 125 ميغاواط ساعة في موقع منجم ابن جرير حيز التشغيل. وقد استثمرت فيه شركة أو سي بي غرين إنرجي (OCP Green Energy)، التابعة لمجموعة أو سي بي (OCP)، مع توفير المعدات الأساسية من شركة إنفيجن إنرجي الصينية.
وفي الفترة نفسها، تتولى شركة غوشيون هاي-تك بناء أول مصنع عملاق متكامل للبطاريات في أفريقيا، في المنطقة الحرة التي تربط الرباط وسلا والقنيطرة، بطاقة إنتاجية تبلغ 10 جيغاواط ساعة في المرحلة الأولى، مع خارطة طريق طويلة الأمد للوصول إلى 100 جيغاواط ساعة.
وتواصل شركات سافران ورينو وستيلانتيس وغيرها توسيع سلاسل الإمداد المحلية للسيارات والفضاء الجوي. فكأس العالم مجرد محفز، والفرص صناعية حقيقية تكمن في الطاقة المتجددة والبطاريات وصناعة السيارات والفضاء الجوي، وهي أولويات طويلة الأمد حددها المغرب بالفعل.
ومتابعة الإستراتيجيات الوطنية أهم من ملاحقة المشاريع المنفردة. ويتمتع المغرب بدرجة معقولة من استمرارية السياسات. كما ترى فيتش أن الانتخابات التشريعية في شتنبر لن يكون لها تأثير كبير في الاتجاه الاقتصادي العام، ومن المرجح أن تحافظ الحكومة المقبلة على ترشيد المالية العمومية. وهذا يجعل خارطة الطريق الصناعية قابلة للتنبؤ.
وبالنسبة إلى الشركات الصينية التي تسعى إلى التوسع دوليا، فإن الحضور المبكر في المناطق الحرة، وإقامة شراكات مع الجهات المحلية المعنية، والمشاركة في أنظمة التكوين المهني، غالبا ما تحقق استدامة أكبر من التنافس على عقود هندسية منفردة.
أما المخاطر الرئيسية، فتظل مالية: ارتفاع مستوى الدين العام، وكبر حجم التمويل خارج الميزانية، وارتفاع أسعار الطاقة، وضعف الطلب الأوروبي. وقد تؤدي تجاوزات التكاليف في المشاريع المرتبطة بكأس العالم إلى عبء يقع في النهاية على الميزانية العمومية للحكومة. ويجب على الموردين والمقاولين توضيح هياكل العقود، وضمانات الدفع، والجدارة الائتمانية للمصارف المحلية في مرحلة المناقصة.
أكثر من بطولة كرة قدم
في سبع سنوات، انتقل المغرب من خط سكة حديد فائق السرعة بطول 200 كيلومتر إلى مخطط شبكة بطول 1500 كيلومتر. وبالنسبة إلى المغرب، فإن كأس العالم 2030 أكثر بكثير من مجرد بطولة كرة قدم؛ إنها سردية شاملة لإعادة تحديد موقع البلاد بوصفها محورا يربط أوروبا وأفريقيا. فالسكك الحديدية والمطارات والموانئ والملاعب والفنادق والمصانع كلها جزء من هذه القصة.
أما بالنسبة إلى الفرق الهندسية الصينية التي تعمل بالفعل على قطاعات القنيطرة–مراكش، فعندما تنطلق صافرة البداية بعد 1400 يوم، قد تسمعها قبل أي مشجع.
المصدر: الجزيرة نت

