يتجه المغرب بخطى متسارعة نحو ترسيخ مكانته كمركز إقليمي لصناعة السيارات الكهربائية والبطاريات، مستفيدا من مناخ استثماري جاذب، وحوافز حكومية، وموقع جغرافي يمنحه قربا من الأسواق الأوروبية والأفريقية.
ووفق تقرير حديث صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد»، اطلعت عليه منصة «الطاقة»، أصبح المغرب خلال السنوات الأخيرة وجهة متنامية للاستثمارات الأجنبية في مجالات السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقات المتجددة والخدمات اللوجستية، في وقت تعيد فيه الشركات العالمية ترتيب سلاسل إمداداتها والبحث عن قواعد إنتاج جديدة.
من تجميع السيارات إلى صناعة متكاملة
لم يعد النشاط الصناعي للسيارات في المغرب مقتصرا على التجميع، إذ يعمل البلد على الانتقال نحو تطوير منظومة صناعية متكاملة تشمل تصنيع المركبات الكهربائية والبطاريات ومكوناتها.
ويستهدف المغرب بناء سلسلة توريد قادرة على توفير مكونات مئات الآلاف من السيارات الكهربائية سنويا، بحلول نهاية 2026، مستفيداً من البنية التحتية الصناعية التي جرى تطويرها على مدى سنوات، فضلا عن القرب من الأسواق الأوروبية.
وفي هذا السياق، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر المرتبطة بقطاع السيارات الكهربائية في المغرب نحو 3.3 مليار دولار خلال 2025، بحسب «تقرير الاستثمار العالمي 2026» الصادر عن «أونكتاد».
وصنف التقرير المغرب ضمن الوجهات الصاعدة التي استفادت من التوسع العالمي للاستثمارات في قطاع السيارات الكهربائية، إلى جانب دول مثل البرازيل والهند وتايلاند، معتبرا أن التحول الذي يشهده القطاع في المملكة يستند إلى استراتيجية صناعية طويلة الأمد، وليس إلى حافز استثماري منفرد.
قاعدة صناعية موجهة نحو التصدير
على مدى العقدين الماضيين، عمل المغرب على بناء قاعدة صناعية للسيارات موجهة أساسا إلى التصدير، مستفيدا من المناطق الحرة والحوافز الاستثمارية وتطوير شبكة الموردين وتوفير برامج للتكوين المتخصص.
وساهمت هذه المنظومة في تعزيز جاذبية المملكة أمام المستثمرين الراغبين في تطوير مشاريع مرتبطة بالسيارات الكهربائية والبطاريات.
ومن أبرز المشاريع التي أشار إليها تقرير «أونكتاد» مشروع مصنع ضخم لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية في جهة الرباط-سلا-القنيطرة، باستثمار أولي يناهز 1.3 مليار دولار، مع مخطط لرفع طاقته الإنتاجية من 20 غيغاواط/ساعة إلى 100 غيغاواط/ساعة.
ومن المنتظر أن تصل القيمة الإجمالية للاستثمارات في المشروع إلى نحو 6.5 مليار دولار، ما يعكس حجم الرهانات المرتبطة بتطوير صناعة البطاريات في المغرب.
وكانت المملكة قد أدرجت ضمن قائمة «أونكتاد» لأكبر عشرة مشاريع استثمارية جديدة في أفريقيا خلال 2025.
استثمارات صينية في صناعة البطاريات
وتحظى الاستثمارات الصينية بحضور بارز في منظومة السيارات الكهربائية والبطاريات بالمغرب، إذ تراوحت قيمتها خلال السنوات الأخيرة بين 6 و10 مليارات دولار، وفق معطيات أوردها الخبير الاستراتيجي في مجال الطاقة أومود شوكري.
وتوجه جانب مهم من هذه الاستثمارات إلى إنشاء مصانع لإنتاج البطاريات ومكوناتها، من بينها مشروع شركة «غوتيون هاي-تك» في جهة الرباط-سلا-القنيطرة.
كما تشمل الاستثمارات مشروع مجموعة «بي تي آر نيو ماتريال غروب»، التي تعمل على إنشاء مصنع لإنتاج مواد الكاثود بالقرب من طنجة باستثمار يقدر بنحو 300 مليون دولار.
ويبرز كذلك مشروع «كوبكو»، الذي يجمع بين صندوق «المدى» الاستثماري المغربي وشركة «سي إن جي آر»، ويركز على تطوير المواد الأولية المستخدمة في صناعة الكاثود، إلى جانب إنتاج النيكل والمنغنيز والكوبالت.
الطاقة الخضراء تعزز جاذبية المغرب
ولا تقتصر استراتيجية المغرب على تطوير صناعة السيارات والبطاريات، بل ترتبط أيضا بتوسيع إنتاج الطاقات المتجددة، باعتبارها أحد العناصر الأساسية لجذب الصناعات التي تحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء.
وأشار «أونكتاد» إلى أن أهداف المملكة في مجال الطاقات المتجددة والتزامها بخفض الانبعاثات، إلى جانب الإجراءات التي تتيح للشركات الوصول إلى الكهرباء المنتجة من مصادر خضراء، تعزز موقع المغرب كوجهة للاستثمارات في تصنيع البطاريات والخلايا ومكوناتها.
ويمتد هذا التوجه إلى مشاريع ذات بعد إقليمي، من أبرزها مشروع «كابل سيلا الأطلسي»، الذي يستهدف إنشاء خط كهربائي بحري لنقل الطاقة المتجددة من المغرب إلى ألمانيا.
ويُخطط ليمتد المشروع على مسافة تقارب 4,800 كيلومتر، بقدرة تصل إلى 15 غيغاواط، فيما تقدر كلفته الإجمالية بنحو 30 مليار دولار.
وتعكس هذه المشاريع مجتمعة توجها مغربيا نحو بناء منظومة صناعية وطاقية مترابطة، تجمع بين تصنيع السيارات الكهربائية والبطاريات وتوفير الطاقة المتجددة، بما يعزز موقع المملكة ضمن خريطة سلاسل التوريد العالمية الجديدة.
المصدر: منصة الطاقة

