كلما عاد ملف تغيير فئة الاختصاص إلى الواجهة داخل مهنة الإرشاد السياحي، يُعاد إنتاج نفس الخطاب: حقوق، كفاءة، ورفض للإقصاء. غير أن هذا النقاش، كما يُقدَّم عادةً، يتجنب الاقتراب من السؤال الأكثر حساسية وواقعية: ماذا عن سوق العمل نفسها؟ وماذا عن المرشدين الذين يعيشون أصلًا تحت ضغط تنافسي خانق؟
في مراكش، الإشكال لم يكن يومًا نظريًا أو قانونيًا صرفًا. الواقع المهني داخل المدينة يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فمرشدو المدن يواجهون منذ سنوات وضعًا معقدًا يتسم بفائض عرض واضح، وتقلص متواصل في عدد أيام العمل، وتآكل تدريجي في الاستقرار الاقتصادي. لذلك، فإن أي حديث عن فتح قنوات انتقال إضافية نحو الإرشاد الحضري لا يمكن عزله عن منطق السوق وقدرتها الاستيعابية.
الرهان على أن عدد المستفيدين من تغيير الفئة سيظل محدودًا يبدو تبسيطًا مقلقًا. فالسوق لا تتأثر بالأعداد المطلقة بقدر ما تتأثر بهامش الضغط داخلها. وحتى تدفق عددي ضئيل في سوق مشبعة يمكن أن يُحدث ارتباكًا كبيرًا، خصوصًا في مدينة تعرف أصلًا كثافة عالية من الممارسين وتنافسًا شديدًا على فرص عمل محدودة.
الأخطر في هذا النقاش أن مفهوم العدالة المهنية غالبًا ما يُختزل في زاوية واحدة: حق الراغبين في تغيير الفئة. لكن ماذا عن حق المرشدين الحضريين في حماية مجالهم المهني؟ ماذا عن حقهم في حد أدنى من الاستقرار؟ التشريعات المنظمة للمهن لا تُبنى فقط على توسيع الإمكانيات الفردية، بل على حماية التوازنات الجماعية ومنع الاختلالات البنيوية.
إن مراكش ليست سوقًا مفتوحة بلا سقف. إنها مجال مهني هش، سريع التأثر، وأي اختلال في بنيته العددية ينعكس فورًا على الجميع. فالضغط التنافسي لا يعني فقط تقاسم فرص العمل، بل يؤدي عمليًا إلى انخفاض المداخيل، وتوتر العلاقات المهنية، وتنامي الإحساس باللااستقرار داخل القطاع.
أما الحديث عن الكفاءة كمبرر ضمني للانتقال بين الفئات، فيغفل جوهر التنظيم القانوني للمهنة. فالقانون 05-12 لم يضع الفئات على أساس رمزي أو شكلي، بل أرسى نظامًا يقوم على اختصاصات حصرية لضمان الوضوح ومنع التداخل. تغيير الفئة، في هذا الإطار، ليس تفصيلًا إجرائيًا بسيطًا، بل تحولًا يمس بنية السوق وتوازناتها.
المفارقة اللافتة أن ما يُقدَّم كآلية إنصاف قد يتحول عمليًا إلى آلية إغراق غير مباشر للسوق. فعندما تُفتح مسارات انتقال غير مضبوطة بسقوف دقيقة ومعايير صارمة، تصبح النتيجة المتوقعة مزيدًا من الضغط ومزيدًا من الهشاشة. وهنا تحديدًا يكمن الخلل بين منطق الخطاب ومنطق النتائج.
إن حماية العدالة المهنية لا تعني فقط تمكين فئة من الانتقال، بل أيضًا حماية فئة أخرى من الاختلال. فلا يمكن معالجة شعور محتمل بعدم الإنصاف عبر خلق اختلالات جديدة داخل سوق تعاني أصلًا من فائض عرض واضح.
في النهاية، لا يبدو السؤال الحقيقي هو ما إذا كان تغيير فئة الاختصاص ممكنًا من حيث المبدأ، بل ما إذا كانت السوق قادرة على تحمّل تبعاته. فاستدامة المهنة لا تُبنى بالشعارات، بل بضبط التوازنات واحترام الخصوصيات المحلية للأسواق المهنية.
إن تغيير فئة الاختصاص، إن لم يُؤطر بمنطق استثنائي صارم، قد يتحول من أداة تنظيم إلى عامل اضطراب، ومن خطاب إنصاف إلى واقع يزيد من هشاشة قطاع يعاني أصلًا من اختلالات عميقة.

