كشفت معطيات رسمية صادرة عن الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية عن تراجع ملحوظ في مؤشرات ربحية الشركة الوطنية للطرق السيارة بالمغرب خلال سنة 2024، رغم ارتفاع رقم معاملاتها، بالتزامن مع استمرار مستويات مرتفعة من المديونية وتصاعد نفقات الاستثمار لمواكبة الضغط المتزايد على الشبكة.
ووفق تقرير الوكالة المعنون “الدولة المساهمة 2024-2025″، تراجعت النتيجة الصافية لحصة المجموعة للشركة بنحو 44 في المائة خلال سنة 2024، إذ انتقلت من 1.294 مليار درهم سنة 2023 إلى 730 مليون درهم سنة 2024، بانخفاض قدره 564 مليون درهم.
في المقابل، ارتفع رقم المعاملات من 4.731 مليارات درهم إلى 5.605 مليارات درهم، أي بزيادة بلغت 874 مليون درهم، وبنسبة نمو تصل إلى 18.5 في المائة.
وأبرز التقرير أن هذه المؤشرات تعكس تباينا بين تطور المداخيل والنتيجة الصافية، وفق الحسابات المجمعة للشركة المعدة حسب المعايير المحاسبية الدولية IFRS.
ولم يقتصر التراجع على النتيجة الصافية، إذ انخفضت نتيجة الاستغلال من 2.433 مليار درهم سنة 2023 إلى 1.708 مليار درهم سنة 2024، أي بفارق 725 مليون درهم، بما يعادل تراجعا بحوالي 29.8 في المائة وفق المؤشرات التفصيلية للشركة.
ويرتبط جزء من هذا الضغط بتطور التكاليف، إذ أرجعت الوكالة تراجع نتيجة الشركة، ضمن تحليلها لتطور النتائج المالية للمؤسسات والمقاولات العمومية، إلى انخفاض متزامن في نتيجة الاستغلال والنتيجة المالية، مع تسجيل ارتفاع في تكاليف الفوائد.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه مؤشرات الربحية، رفعت الشركة وتيرة استثماراتها بشكل كبير، حيث انتقلت النفقات الاستثمارية المؤداة من 901 مليون درهم سنة 2023 إلى 1.725 مليار درهم سنة 2024، بزيادة تقارب 91.5 في المائة.
وتأتي هذه الزيادة في سياق تنفيذ مجموعة من المشاريع الرامية إلى رفع قدرة شبكة الطرق السيارة وتحسين انسيابية حركة المرور.
ومن أبرز المشاريع التي سجلها التقرير خلال 2024 دخول مشروع تثليث الطريق المداري للدار البيضاء والطريق السيار الدار البيضاء-برشيد حيز الخدمة، إلى جانب إطلاق أشغال تحويل مفترقي سيدي معروف وعين حرودة، وطرح طلبات عروض لإنجاز الطريق السيار القاري الرابط بين الرباط والدار البيضاء.
كما رصدت الشركة 321 مليون درهم لبرنامج الإصلاحات الكبرى، في إطار تحسين جودة الشبكة وتعزيز شروط السلامة.
وعلى مستوى المديونية، تراجعت ديون التمويل بشكل طفيف، من 37.282 مليار درهم سنة 2023 إلى 35.750 مليار درهم سنة 2024، بانخفاض قدره نحو 1.532 مليار درهم، أي 4.1 في المائة.
غير أن هذا التراجع لا يعني استمرار المنحى نفسه، إذ تتوقع المعطيات الواردة في التقرير ارتفاع ديون التمويل إلى 37.126 مليار درهم خلال سنة 2025، بالتوازي مع توقع ارتفاع نفقات الاستثمار إلى 4.152 مليارات درهم.
وتحتل الشركة الوطنية للطرق السيارة، وفق التقرير، المرتبة الرابعة بين المؤسسات والمقاولات العمومية الأكثر مديونية ضمن محفظة الوكالة، بحصة تناهز 10 في المائة من إجمالي ديون التمويل لهذه المؤسسات والمقاولات.
وفي أفق سنة 2032، تعتزم الشركة تنفيذ برنامج استثماري يناهز 14.5 مليار درهم، باستثناء نفقات الإصلاحات الكبرى. وتتضمن خطة التمويل تعبئة نحو 7 مليارات درهم عبر التسنيد لتعزيز الأموال الذاتية، فيما سيجري تمويل الجزء المتبقي بواسطة قروض محلية، من دون اللجوء إلى ضمانة الدولة.
ويشمل البرنامج الاستثماري، على الخصوص، مشروع الطريق السيار القاري الرباط-الدار البيضاء واستكمال الطريق السيار تيط مليل-برشيد، فيما تقدر الاستثمارات المرتقبة خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2028 بنحو 8.4 مليارات درهم، شاملة الضريبة على القيمة المضافة، وستوجه أساسا إلى الطريق السيار القاري، وتكييف الشبكة، وأتمتة ورقمنة عمليات الاستغلال.
وفي إطار المواكبة التقنية التي تقدمها الوكالة، بشراكة مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، تتواصل مواكبة الشركة الوطنية للطرق السيارة، ومن بين محاورها دعم تفعيل آلية لتدبير المديونية ومخاطر الصرف.
ولا يقدم التقرير، في هذا السياق، رقما مستقلا للخسائر أو المخاطر المحققة نتيجة تقلبات أسعار الصرف، ما يجعل المعطى المرتبط بها منصبا على تطوير آليات التدبير والمتابعة، وليس إثباتا لوقوع خسائر بسبب هذه المخاطر.
وبالتوازي مع التحديات المالية والاستثمارية، تواجه شبكة الطرق السيارة ضغطا متزايدا بفعل ارتفاع حركة السير. فقد ارتفع متوسط الحركة اليومية من 14,600 عربة سنة 2023 إلى 15,784 عربة سنة 2024، بزيادة تناهز 8.1 في المائة.
وسجل التقرير، في عرضه لوضعية الشبكة، وجود “ازدحام مروري شديد” على محور الدار البيضاء-برشيد، وهو ما يبرز الحاجة إلى مشاريع تستهدف رفع الطاقة الاستيعابية للشبكة وتحسين انسيابية حركة المرور.
وتكشف هذه المؤشرات عن معادلة مزدوجة تواجه الشركة الوطنية للطرق السيارة: ارتفاع الطلب على استعمال الشبكة وما يرافقه من حاجة إلى استثمارات جديدة، مقابل استمرار ضغط المديونية وتكاليف التمويل على النتائج المالية.
وبينما تواصل الشركة توسيع الشبكة وتأهيلها ورقمنة استغلالها، يظل الحفاظ على التوازن بين الاستثمار، والربحية، والتحكم في المديونية، وتحسين جودة الخدمة، من أبرز تحديات المرحلة المقبلة.

