بقلم :محمد تكناوي
لقد شكلت الديمقراطية، كإحدى المرجعيات المؤسسة للحداثة، ومن الركائز التي حاولت منظومتنا التربوية، منذ الميثاق الوطني وصولاً إلى القانون الإطار 51.17،و خريطة الطريق 2022-2026، أن تدمجها في مناهجها، إيماناً بأنها المدخل الأسلم لبناء مواطن الغد، وترسيخ سلوك مدني أصبحت الحاجة إليه أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وقد سار الخطاب الرسمي في بلادنا شوطاً بعيداً في هذا المسار، فصادق المغرب على اتفاقية حقوق الطفل، وأنشأ المرصد الوطني وبرلمان الطفل، وأضحى الاحتفاء باليوم العالمي للطفل تقليداً راسخاً. غير أن الملاحظة العميقة تكشف عن مفارقة مؤلمة: لقد تعاملنا مع الديمقراطية كدرس يُلقن ويُحفظ، لا كسلوك يُعاش ويُمارس. فهي ليست فقرة في مقرر، بل هي نبض يومي يسري في عروق الأسرة والمدرسة والمجتمع.
ومن هنا كان لابد أن نسائل أنفسنا عن روح الديمقراطية: الحوار. فالحوار هو مرآتها الصادقة ومظهرها الأجلى، وحين نتحسس واقعه، نصطدم بحقيقة مفجعة، وهي أن الديمقراطية عندنا لا تزال شعاراً تصطدم بجدار من التحديات السوسيو-ثقافية، والعقليات الانهزامية، والرواسب الفكرية التي ترى في انفتاح الوعي تهديداً لمصالحها الضيقة.
فلننظر إلى الأسرة وهي المهد الأول. هل هي أسرة متحاورة حقاً؟ إن الحوار يكاد يكون منفياً من فضائها، وإن حضر فهو حكر على الكبار، إذ تسود ثقافة قاصرة ترى الطفل صغيراً ووعيه شارداً. ثم جاءت إكراهات العصر، فاضطرار الوالدين معاً إلى ولوج سوق الشغل، وضيق ذات الوقت، والأمية، والتصدع الأسري، كلها عوامل ضيقت الخناق على لحظة الحديث المشترك، فعزلت الطفل في جزيرة صامتة.
ثم لنلج المدرسة التي أنطنا بها مهمة إنتاج القيم. وهنا تتجلى الطامة. فمقرراتنا كانت لعقود تلقينية، وتقييماتنا استرجاعية، وعلاقتنا البيداغوجية فوقية، والمدرس نفسه نتاج بيئة لا حوارية. وحتى إن وُجد المدرس الرسالي المحاور، فإن سيف الزمن وكثافة المقرر وهاجس الامتحان يغل يديه عن فتح نوافذ للنقاش.
وهذا التشخيص رغم كونه يعود إلى سنوات خلت ، ما زال يجد صداه اليوم، رغم أن المنظومة عرفت مستجدات واعدة. فمع خارطة الطريق 2022-2026**، دخلنا زمن المدرسة الرائدة والتعليم الصريح ورهان التعليم الأولي المعمم، وتوجه الدولة نحو رقمنة الفصل وتخفيف الاكتظاظ. لقد انتقلنا من منطق التلقين إلى منطق الكفايات، ومن المدرس الملقن إلى المدرس الميسر، ومن التلميذ المتلقي إلى التلميذ الفاعل في إطار مشروع المؤسسة وأندية الحياة المدرسية. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل استطاعت هذه الإصلاحات الهيكلية أن تغير العقليات؟ إن إدخال اللوحات التفاعلية لن يصنع حواراً إذا بقيت ثقافة القسم تقوم على الصمت والطاعة.
ثم نعرج على الإعلام ، وفاقد الشيء لا يعطيه. فإذا كانت بنيته غير حوارية في الأصل، فأنى له أن يحاور الطفل؟ بل إن الأخطر أنه حول الطفل إلى هدف استراتيجي للاستهلاك، يخاطبه الخطاب الإشهاري بامتياز، ولا يخاطبه الخطاب التوعوي. فإذا كان الكبار يظفرون ببعض الفتات من الحوار السياسي والاجتماعي، فأين حصة الصغار؟ أين برلمانهم الحقيقي لا الصوري؟ وأين برامجهم التي يتحاورون من خلالها لا التي يُتحاور حولهم فيها؟
وخلاصة القول، إن ما يحز في النفس أننا أتقنا فن التشريع وصناعة المؤسسات، لكننا فشلنا في فن التفعيل. فما معنى أن نعقد دورة لبرلمان الطفل في عجالة، بلا تحضير قبلي في مدارسنا الرائدة، وبلا أثر بعدي يدمج توصيات الأطفال في مشروع المؤسسة وحياتهم اليومية؟
إن الرهان اليوم، مع كل المستجدات، يبقى واحداً. علموا أبناءنا الحوار أولاً، ازرعوا فيهم الجرأة على السؤال وفن الإصغاء للآخر، فلا ديمقراطية بلا حوار، ولا مدرسة رائدة بلا تلميذ متحاور.

