وجهت رئاسة النيابة العامة دورية جديدة إلى الوكلاء العامون للملك لدى محاكم الاستئناف؛ ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية، بشأن استنطاق الأشخاص المقدمين أمام النيابة العامة. ودعت الدورية إلى التأكد بادئ الأمر من استفادة المشتبه فيه من جميع الحقوق المكفولة له بمقتضى قانون المسطرة الجنائية عند الإيقاف، كالحق في التزام الصمت والحق في الإشعار بالتهمة المنسوبة إليه وإشعار عائلته والحق في الاتصال بمحام، وغيرها من الحقوق، فضلا عن التأكد من سلامة المحاضر المنجزة ومن ظروف الإيقاف والوضع رهن الحراسة النظرية أو الاحتفاظ (بالنسبة للأحداث) بحسب الأحوال والتي يجب أن تتم في احترام تام للمقتضيات القانونية الجديدة (المادة 1-66 من قانون المسطرة الجنائية) وأن تكون مؤسسة على أسباب يجب التأكد من تحققها.
كما دعت إلى وجوب استنطاق المشتبه فيه حول الأفعال المنسوبة إليه بعد التأكد من هويته وإشعاره بحقه في تنصيب محام، والاستعانة بترجمان أو بشخص يحسن التخاطب معه، بحيث يجب أن يتسم سلوك قاضي النيابة العامة في هذا الإطار بالمهنية والتعامل الإنساني مع أطراف القضية موضوع التقديم، لا سيما الأطفال في نزاع مع القانون، وضحايا الجرائم بصفة عامة والضحايا من الفئات الهشة على وجه الخصوص.
ونصت أيضا على ضرورة تحرير محاضر للاستنطاق تتوفر فيها جميع الشكليات المحددة قانونا، مع الحرص على أن تتضمن فقرات خاصة بتعليل القرار المتخذ لا سيما عندما يتعلق الأمر بإقرار المتابعة في حالة اعتقال. وأكدت على وجوب إعمال الفحص الطبي في الحالات التي يقتضيها الأمر ووفقا للضوابط القانونية المحددة في المادتين 73 و1-74 من قانون المسطرة الجنائية.
كما أكدت على ضرورة اتخاذ القرار المناسب في مواجهة المشتبه فيه تبعا لظروف القضية وشخصية المتهم ومدى خطورته، ووقع الجريمة على المجتمع وما نتج عنها من أضرار، مع التزام قاضي النيابة العامة بالحرص على إعمال بدائل الدعوى العمومية، لا سيما الصلح الزجري الذي أضحى من الممكن تفعيله بصفة تلقائية أو من خلال تكليف وسيط لاقتراحه والسعي إلى إبرامه بين الأطراف؛ واستحضار قرينة البراءة والطابع الاستثنائي للاعتقال الاحتياطي، ما يجعل من مرحلة الاستنطاق آلية أساسية لتفعيل البدائل التي تم تعزيزها بمقتضى التعديلات المدخلة على قانون المسطرة الجنائية، بما في ذلك إمكانية إخضاع المتهم لتدبير واحد أو أكثر من تدابير المراقبة القضائية المحددة في المادة 161 وما يليها من قانون المسطرة الجنائية، وهي مكنة متاحة لقضاة النيابة العامة لدى المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف على حد سواء.
وبالإضافة إلى وجوب تقيد قضاة النيابة العامة بالضوابط القانونية المؤطرة للتقديم واستنطاق المشتبه فيهم، فإن ضمان نجاعة هذه العمليات ومطابقتها للقانون يقتضي الالتزام بقواعد التدبير المعقلن وتفعيل مبادئ الحكامة خلال مرحلة التقديم التي تتداخل فيها عدة عوامل بشرية وتنظيمية يتعين مراعاتها.
وفي هذا الصدد، دعت الدورية إلى ترشيد التقديم في حالة سراح، بحيث يتعين على قضاة النيابة العامة ألا يصدروا تعليمات تقضي بوجوب تقديم المشتبه فيهم في حالة سراح، إلا في الحالات الضرورية المرتبطة بخطورة الجريمة أو لتفعيل قواعد العدالة التصالحية؛ وترشيد الإذن بالوضع رهن الحراسة النظرية في الحالات التي يستوجب القانون الحصول فيها على هذا الإذن من النيابة العامة، إذ يتعين التأكد من توفر الموجبات القانونية التي تقتضي وضع الشخص رهن الحراسة النظرية، لا سيما تلك الواردة في المادة 1-66 من قانون المسطرة الجنائية المحال عليها بمقتضى المادة 80 من نفس القانون.
كما دعت إلى إعمال الآليات القانونية المتاحة لكم لتخفيف الضغط على مكاتب التقديم بالمحاكم، من خلال تفعيل أحكام المادة 1-384 من قانون المسطرة الجنائية التي تتيح لوكلاء الملك ونوابهم الانتقال إلى مقر الشرطة القضائية واتخاذ الإجراء القانوني المناسب وتسليم الاستدعاء إلى المتهم والضحية والشهود عند الاقتضاء للحضور إلى الجلسة التي يتم تعيينها؛ ووجوب تنظيم الاستنطاق وفقا لأولويات محددة، إذ يتعين البدء بالمحاضر التي يكون أطرافها من الفئات الخاصة (نساء، أطفال، أشخاص ذوو إعاقة، مسنون)، والقضايا التي سيتم فيها إيداع المشتبه فيهم رهن الاعتقال الاحتياطي.
وذكرت بأنه يجب تنظيم الفضاءات الخاصة بتقديم المشتبه فيهم، والتأكد الدائم من توفر الشروط القانونية في أماكن الاحتفاظ بالمقدمين الذين أمضوا فترة الحراسة النظرية، مع العمل على تخصيص فضاء خاص بالمقدمين في حالة سراح، وفصل الأحداث عن الرشداء.
ودعت إلى حث ضباط الشرطة القضائية على تقديم الأشخاص في الساعات الأولى للعمل، والشروع في دراسة المحاضر بمجرد التوصل بها واستنطاق الأشخاص المقدمين في إطارها؛ وترشيد الزمن القضائي المخصص لاتخاذ القرار في محاضر التقديم المحالة عليكم، مع إمكانية دراسة نسخ المحاضر بطريقة قبلية في القضايا المهمة تفاديا للتأخر في اتخاذ القرارات مع ما يستتبعه ذلك من آثار سلبية على أطراف الخصومة الجنائية.
كما أكدت على ضرورة تفادي إرجاع المحاضر المحالة في إطار التقديم لإتمام البحث، إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك، بالنظر لما يؤدي إليه هذا الأمر من تراكم للمساطر وللأشخاص المقدمين بسببها؛ وتوزيع محاضر التقديم بين عدد كاف من قضاة النيابة العامة بالشكل الذي يضمن انتهاء العملية في أقصر الفترات لضمان إحالة القضايا على الهيئات المختصة (قضاة الحكم والتحقيق) في وقت مناسب يراعي ساعات انعقاد الجلسات والالتزامات المترتبة عن الإحالة؛ وأنسنة ظروف الاستنطاق واستحضار أن هذا الإجراء يُوَلِّدُ صورة لدى أطراف الخصومة الجنائية عن كيفية تعامل قضاة النيابة العامة مع المقدمين أمامهم، الأمر الذي يقتضي، حسب الدورية، الحرص على توفير الضمانات القانونية وكفالة حق الأطراف في الدفاع وتمكينهم من تقديم كل ما يثبت صحة الوقائع والادعاءات، بما يجعل من عملية الاستنطاق حلقة أساسية لحماية الحقوق والحريات المكفولة دستوريا.

