أثار إعفاء الوزيرة مديحة خيير المنتمية لحزب الاستقلال بعد يومين فقط من التعيين الملكي للحكومة الجديدة، حالة من الجدل السياسي، لكونه أسرع إعفاء في تاريخ الحكومات المغربية.
وجاء هذا القرار بعد حملة مكثفة على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام تداولت تسريبات لوثيقة طبية وقضية نصب واحتيال تورطت فيها الوزيرة قبل 20 عاما.
وشكّل هذا الإعفاء سابقة سياسية، دفعت رواد الشارع الرقمي إلى فتح ملفات وزراء آخرين في التركيبة الحكومية الجديدة، وتتبع مساراتهم المهنية والشخصية، ونفض الغبار عن أرشيفهم قبل أداء اليمين الدستورية.
وتصدرت عدة أسماء وزارية منصات الرأي العام الرقمي في المغرب، وتنوعت الاتهامات الموجهة لهم بين شبهات التدبير المالي وسوابق نزاعات قضائية، مع تصاعد المطالب بإقالتهم على غرار مديحة خيير.
واستهدفت هذه الحملات وزير الصيد البحري المنتمي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ونشرت وثائق تتهمه بالتورط في صفقة دراسات طالتها مخالفات ترتبط بطريقة إسنادها وبتبديد المال العام، و تم الترويج لأخبار عن نزاعات مالية بينه وبين إحدى شركات التأمين ضمن نشاطه المهني الخاص.
كما استهدفت فاطمة السعدي وزيرة الإسكان وسياسة المدينة المنتمية لحزب الأصالة والمعاصرة الذي يقود الحكومة وعضو القيادة الجماعية للحزب، إذ تم تداول أخبار نُشرت في مواقع محلية عن صدور حكم قضائي في حقها بالسجن شهرا غير نافذ، بتهمة الشطط في استعمال السلطة والهجوم على مسكن الغير.
ردود على الاتهامات
وبينما لم يصدر عن الوزيرين المعنيين أي توضيح مباشر، تولت وسائل إعلام تابعة لحزبيهما الرد على الشبهات والاتهامات المتداولة.
ونفى موقع “إم- ميديا” التابع لحزب الأصالة والمعاصرة، عن مصدر مقرب من الوزيرة فاطمة السعدي، وجود أي متابعة أو أحكام قضائية ضدها، موضحا أن القضية المثارة في المنصات الرقمية تعود إلى 10 سنوات أثناء توليها رئاسة بلدية الحسيمة وتتعلق بإجراءات قانونية لتحرير الملك العمومي، وأكد المصدر أن الوزيرة تتوفرعلى حكم قضائي نهائي يقضي ببراءتها ويحسم حقيقة الادعاءات التي أعيد تداولها مؤخرا.
وفيما يتعلق بالوزير المهدي المزواري، فقد وصف موقع “أنوار بريس” التابع لحزب الاتحاد الاشتراكي على لسان مصدر مقرب منه، ما راج عنه من اتهامات بأنها ” شائعات ومحاولات يائسة، مشوبة بتحريف الوقائع، وتضليل الرأي العام الوطني”، ونفى صحة ما يُروج حول “صفقة الدراسات” مشيرا إلى أن وضعية الحزب والوزير سليمة بشهادة المجلس الأعلى للحسابات، كما نفى الاتهامات بخصوص نزاعه المزعوم مع شركة تأمين مؤكدا أن نشاطه الخاص توقف منذ أكثر من 10 سنوات وانتهت العلاقة التعاقدية بالتراضي دون أي نزاع قضائي.
من جهته، علق القيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي المشارك في الحكومة ورئيس فريقه البرلماني الحسن لشكر على هذه الحملات الرقمية، وقال إن أطرافا تحاول الترويج لمعلومات خاطئة تستهدف شخصيات حزبية ووقائع التدبير الحكومي ومسار تشكيل الأغلبية.
وأوضح القيادي، للجزيرة نت، أنه على الرغم من صعوبة التفاعل مع كل ما يُنشر، فإن حزبه يحرص عبر قنواته الرسمية على التدخل كلما أخذت إشاعة ما حجما كبيرا لتصحيح المعطيات وتزويد الرأي العام بالمعلومة الصحيحة، لافتا في الوقت ذاته إلى أن بعض الجهات لا يهمها التوضيحات لأنها تدرك زيف الأخبار منذ إطلاقها وتستمر في نشرها دون إعطاء أي وزن للحقيقة.
ونفى لشكر كل ما يروج بشأن الوزير الاتحادي المهدي المزواري، مؤكدا أن الوزير له مسار سياسي طويل داخل الحزب، فضلا عن كفاءته التي خولته تولي مسؤوليات إعلامية وسياسية داخله وهو ما يتنافى مع ما يتم تداوله من اتهامات باطلة.
وأبرز أن حزبه يعي أن العمل في الفضاء العام له تكلفة، مشيرا إلى أن الدولة تتوفر على آليات لترتيب الآثار القانونية إذا ثبتت صحة أي اتهام.
و يرى لشكر أن حالة فقدان الثقة في العمل السياسي والعام الممتدة منذ سنوات جعلت البعض مستعدا لتصديق وتبني أي اتهام سلبي دون تمحيص، مقابل تجاهل أي توضيحات أو محاولات نفي الإشاعات الرائجة في المنصات الرقمية، داعيا المواطنين والرأي العام إلى بذل جهد أكبر للتدقيق في صحة ما يتم تداوله.
رقابة شعبية
وأظهرت واقعة إعفاء مديحة خيير أن منصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد مساحات للتعبير والتسلية، وإنما صار لها وجه آخر يتمثل في تحولها أحيانا إلى أداة للتأثير وصناعة القرار السياسي، ودفع الفاعلين السياسيين إلى اتخاذ إجراءات سريعة تفاعلا مع ما يروج فيها، وهو ما رفع سقف توقعات الشارع وجعله يستحضر نفس المعيار لتقييم باقي أعضاء الحكومة المطوقين بشبهات أخرى.
وفي قراءته لهذا الحراك الرقمي المتصاعد بالمغرب، أوضح محمد كريم بوخصاص، أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، أن الحملات الداعية لإقالة وزراء في الحكومة الجديدة على خلفية شبهات أو اتهامات متداولة، تعكس اتساع مطالبة المواطنين بإخضاع التعيينات الوزارية للمساءلة.
وأكد بوخصاص للجزيرة نت، أن التعيين يمنح المسؤول صلاحية ممارسة مهامه، لكنه لا يعفيه من تقديم ما يبرر الثقة فيه، سواء من حيث الكفاءة أو النزاهة أو مساره السابق.
وأشار إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أتاحت للمواطنين والصحفيين استعادة تصريحات ووثائق ومعطيات، ووضْعها أمام الرأي العام بسرعة يصعب تجاهلها.
وفي تحليله لمدى تعبير هذه الحملات عن تصاعد الوعي والرقابة الشعبية، يرجح بوخصاص أن يكون الإعفاء السريع لوزيرة التكوين المهني قد عزز الشعور بنجاعة الضغط الرقمي وقدرته على التأثير، وشجع على توجيه المطالب إلى أسماء وزارية أخرى، غير أنه شدد على أن ارتفاع حجم التفاعل لا يكفي وحده للقول إننا أمام وعي رقابي متقدم، فقيمة هذه الرقابة تتحدد -في نظره- في قدرتها على تقديم معلومات موثقة وطرح أسئلة تتصل بالمسؤولية العامة، مع التمييز بين الشبهة والمتابعة والإدانة.
من جهته يرى المحلل السياسي محمد شقير، أن الناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي تحولوا إلى فاعلين غير تقليديين في المشهد السياسي بعد أن أصبح لديهم تأثير حقيقي وأدوات تحرٍّ وإمكانية إيصال أصواتهم لأعلى مستويات السلطة.
وأوضح شقير للجزيرة نت أن هؤلاء الفاعلين تحولوا إلى الرقيب المباشر على الأداء السياسي، في وقت تحاول فيه النخب الحزبية التغطية على التجاوزات من باب تبادل المصالح فيما بينها.
وأضاف أن ظهور هؤلاء الفاعلين غير التقليديين هو معطى صحي سيعيد خلق التوازن في الحياة السياسية ويجعل المسؤولين أكثر حذرا في تصرفاتهم وتصريحاتهم.
الجانب المظلم
ويطرح الجانب المظلم لهذه الدينامية نفسه بشدة، في ظل مخاوف من تحول هذه الحملات إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية بين الخصوم السياسيين.
ويرى بوخصاص أن احتمال التوظيف السياسي للحملات قائم، إذ قد تتداخل مطالب مواطنين صادقة مع تسريبات انتقائية وصراعات حزبية ومحاولات لتوجيه الغضب نحو أسماء بعينها.
ومع ذلك، يرى أن هذا الاحتمال لا يُسقط مشروعية المساءلة، مثلما لا تمنح شعبية الحملة اتهاماتها صفة الحقيقة، ففي نظره، المعيار هو صحة المعطيات وصلتها بأهلية المسؤول، واتساق تطبيق هذا المعيار على الجميع، وإتاحة حق الرد للمتهمين.
أما محمد شقير فيرى أن محاولات بعض الجهات مثل وزارة العدل الدفع بمشاريع قوانين لتنظيم مواقع التواصل الاجتماعي بدعوى حماية الحياة الخاصة ووقف التشهير، وراءه دافع آخر يكمن في تخوف الطبقة السياسية والإدارية من الوقوع تحت رقابة جهات مستقلة عن شبكات المصالح التقليدية.
وشدد على أنه رغم احتمال وقوع بعض الانحرافات أو التوظيف السياسي غير البريء، فإن الظاهرة تبقى صحية وتشكل في جوهرها ميلاد “سلطة خامسة” تتجاوز في بعض الأحيان الإعلام التقليدي الذي ارتبط جزء منه بلعبة تبادل المصالح، مؤكدا أن هذا الفاعل الجديد أثبت ملكيته وسائل المراقبة والتأثير الفعلي في الحياة السياسية.
المصدر: الجزيرة

